هذه القصة ليست حالة فردية، بل نموذج متكرر لما يمكن أن نسميه عدم التوازن في تقدير الجهود الوظيفية.
سنوات من العطاء بلا مقابل كافٍ
هناك موظفون قضوا عشرات السنين في منشآتهم. أحدهم تجاوز خمسة وعشرين عامًا في العمل، أمضى منها أكثر من ثلاثة عشر عامًا دون ترقية. طوال هذه الفترة كان محل ثناء مديريه، وكان يوصف دائمًا بأنه «صاحب الخبرة المميزة».
لكن هذا الثناء بقي كلمات في الهواء، لا تتحول إلى قرار أو مكافأة أو تقدير ملموس. بل إن هذا الموظف كان يُكلف مرارًا بتدريب الموظفين الجدد؛ وهي مهمة تبدو تقديرًا لخبرته، لكنها لا يقابلها تقدير مادي أو معنوي كافٍ. وكان يُقال له إن التدريب قد يفتح له بابًا للترقية، إلا أن السنوات تمضي وتظل الوعود غير محققة.
مفارقة لافتة
المفارقة أن من دربهم هذا الموظف لم يمض على وجودهم في المؤسسة سوى أشهر أو سنوات قليلة، ومع ذلك يحصلون على الترقيات والمزايا التي لم تتح له بعد. وهذه الحالة ترسل رسالة سلبية مفادها أن الخبرة الطويلة قد لا تحظى بالتقدير الكافي.
عندما يتحول الامتناع إلى ملاحظة إدارية
بعد سنوات من التدريب دون تقدير ملموس، قرر هذا الموظف التوقف عن تدريب القادمين الجدد تعبيرًا عن رغبته في التقدير. لكن المؤسسة فسّرت ذلك على أنه تقصير، لا نتيجة طبيعية لسنوات من الوعود غير المنفذة، فأصبح في نظر البعض حالة تستدعي التقييم بدلًا من كونه خبرة ينبغي الحفاظ عليها.
الإدارة التي قد لا تتضح لها الصورة الكاملة
بعض الإدارات تنظر إلى السلوك الظاهر دون التعمق في أسبابه. فعندما يطالب الموظف بأبسط حقوقه يُطلب منه التحلي بالصبر، ويُذكَّر بأن راتبه يُصرف كاملًا، وكأن الراتب يمثل الصورة الكاملة للعدالة الوظيفية، رغم أنه لا يُلغي الحاجة إلى التقدير أو العدالة في الترقيات.
خسارة المؤسسة قبل الموظف
قد تبدو المشكلة فردية، لكنها في الحقيقة خسارة للمؤسسة نفسها. فعندما يشعر أصحاب الخبرة بالتهميش، يتراجع الحافز والإبداع، وتفقد المؤسسة جزءًا من معرفتها المتراكمة التي لا تُدوَّن في التقارير بل تنتقل عبر التجربة.
إن العدالة في بيئة العمل ليست رفاهية، بل ضرورة لنجاح أي مؤسسة. فالترقيات ينبغي أن تقوم على معايير واضحة، وأن تُمنح الخبرات المخلصة ما تستحقه من تقدير ومسار وظيفي عادل.
كلمة أخيرة:إن المؤسسات التي تتجاهل أصحاب الخبرة وتكافئ السرعة على حساب الإخلاص قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها تتأثر على المدى الطويل في روح العمل والانتماء.
فالإنسان لا يعمل فقط من أجل الراتب، بل من أجل الشعور بقيمة ما يقدمه. وعندما يغيب التقدير، تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الاستماع والإنصاف، فالمشكلة ليست في الموظف الذي يطالب بحقه، بل في الأنظمة التي تحتاج إلى تعزيز مبادئ العدالة والتقدير.
[email protected]



