في صباحات ما بعد الإجازة، ولعل ما بعد شهر رمضان المبارك هو المثال الأقرب، لا يعود الموظفون إلى مكاتبهم كما كانوا. فثمة شيء خفي لا يُقاس بمؤشر أداء، ولا يُرصد في تقرير إنتاجية: الفتور. ليس فتور كسل، ولا ضعف التزام، بل فتور انتقال؛ انتقال من إيقاعٍ كان فيه الزمن ليّنًا والروح متسعة، إلى واقعٍ يستعيد صرامته دفعةً واحدة، كمن يوقظك من حلمٍ جميل دون تمهيد.
رمضان لم يكن إجازة، لكنه كان إعادة ضبط؛ خفّض الضجيج، ورفع الحس، وأعاد ترتيب الأولويات دون أن نشعر. وحين انتهى، عاد العمل كما هو، لكننا لم نعد كما كنا. المشكلة ليست في عودة العمل، بل في طريقة العودة؛ نريد من الموظف أن يستأنف سرعته السابقة فورًا، وكأن شيئًا لم يتغير، بينما الحقيقة أن داخله تغيّر كثيرًا: هدأت سرعته، رقّت روحه، وتبدلت دوافعه.
وهنا يبدأ الصدام الصامت بين “نظام العمل” الذي لم يتبدل، و»نظام الإنسان» الذي أعاد تشكيل نفسه خلال شهرٍ كامل.
الموظف كنبتة أناناس..
هذه النبتة العجيبة لا تنمو كغيرها؛ لها قاعدة صلبة ثابتة، تنبثق منها أوراق طويلة متفرعة، تمثل كل ورقة جهدًا، ومهمة، ودورًا يؤديه الإنسان في عمله. في أوقات الذروة، تمتد هذه الأوراق بقوة، خضراء، ممتلئة بالحياة. لكن ماذا لو قلّ الماء؟ ماذا لو تغيّر المناخ فجأة؟
لا تموت النبتة فورًا، لكن أطراف أوراقها تبدأ بالجفاف؛ تنكمش، تفقد مرونتها، وقد تتقصف، بينما القاعدة لا تزال حيّة تختزن ما تبقى من طاقة.
وهكذا هو الموظف بعد رمضان: أوراقه «أداؤه الظاهري» قد يعتريها الفتور، لكن قاعدته «دافعه الداخلي وانتماؤه» لا تزال قائمة.
الخطأ الذي تقع فيه بعض بيئات العمل أنها تحكم على النبتة من أطرافها الذابلة، فتزيد الضغط، وتكثّف المتطلبات، وكأنها تصب مزيدًا من الشمس على نبات يحتاج ماءً.
بينما المنهجية العلمية في إدارة الأداء تقول: إن أي تراجع ظاهري بعد تغيير في البيئة لا يُعالج بالضغط، بل بإعادة التوازن.
الموظف لا يحتاج توبيخًا، بل يحتاج إعادة ريّ: مساحة للتدرّج، مرونة في الإيقاع، وفهمًا أن الإنتاجية ليست زرًا يُضغط.
الفتور بعد رمضان ليس خللًا، بل إشارة حيوية على أن الإنسان ليس آلة.
ومن يدرك هذه الحقيقة، لا يسعى لإعادة الموظف إلى “ما كان عليه”، بل يساعده ليصل إلى نسخة أفضل مما كان عليه؛ نسخة تجمع بين صفاء رمضان وانضباط العمل.
لأن أعظم البيئات ليست التي تُجبر الناس على الركض، بل التي تعرف متى تُمهِل الخطى، لتُبقي الجذور حيّة.


