قادني هذا السؤال إلى تأمل عميق، فوجدت أن العتب شعور إنساني فطري يولد حين لا يأتي الآخر بما كنا ننتظره، غير أنه حين يتكرر يتحول من رسالة صادقة إلى عبء ثقيل يُنهك صاحبه قبل أن يُتعب غيره، ويبني بيننا وبين من نحب جدارًا صامتًا لا نراه، لكننا نحس بثقله كل يوم.
يبدأ العتب من فجوة بين التوقعات والواقع؛ أن نرسم في أذهاننا صورة لما يجب أن يفعله الآخرون تجاهنا، فإذا قصروا أشعلنا في داخلنا جمرة من الألم. والمشكلة أن هذه التوقعات غالبًا ضمنية، لم نُعلنها ولم نشترطها، لكننا نحاسب عليها بصرامة. ويزداد الأمر سوءًا حين يصبح العتب أداة للضغط العاطفي واستجداء الاهتمام، بدلًا من أن يكون حوارًا صريحًا يُصحح مسار العلاقة.
وضرر العتب لا يقتصر على العلاقات، بل يبدأ من الإنسان نفسه، فهو يُبقيه أسير جراح لا تُداوى، ويصرف طاقته نحو الاستياء بدلًا من البناء. أما المقربون فيشعرون بالتقصير الدائم والحرج المستمر، فيبتعدون، ليس قسوة بل هروبًا من ذنب لا ينتهي. وهكذا يحقق العتب عكس مراده تمامًا، كصديقي الذي يظن أن عتبه يُقرّبني، وهو في حقيقته يدفعني بعيدًا.
والحل ليس في كبت المشاعر، بل في تحويل العتب إلى تواصل حقيقي. فبدلًا من: “أنت لا تهتم بي”، نقول: “أحتاج منك أن تتواصل معي”. هذا التحول البسيط ينقل الحديث من الاتهام إلى الطلب، ومن الجرح إلى الجسر. كذلك علينا تقبّل أن الناس يختلفون في التعبير عن المحبة، وأن الغياب أحيانًا لا يعني التقصير.
وكي تنمو علاقاتنا وتتجذر، نحتاج إلى ثلاثة أركان: الصراحة المحببة دون اتهام، والتسامح الواعي دون انتظار اعتراف، وتجديد الاهتمام بلحظات مشتركة تُرسخ الود وتُجدد الثقة.
خلاصة القول: الجدار الذي يفصلنا عن الآخرين لا يبنيه الزمن ولا المسافات، بل نبنيه نحن حين نختار العتب طريقًا وحيدًا للتعبير عن حبنا. فلنهدمه بكلمة صادقة وعفو حقيقي، لأن العلاقات الحقيقية لا تُصان بالمطالبة، بل بالتفاهم والقبول والحب الذي يتجاوز الهفوات ويختار البقاء.
جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل
[email protected]



