المستغرب حقاً، حين تبحث عن الوضع الاقتصادي لدول الخليج قبل أي حرب - وما أكثر الحروب في منطقتنا- تندهش بأن وضع الاقتصاد مستقر، فمثلاً قبل حرب الخليج الثانية في العام 1990م، كانت الاقتصادات الخليجية مستقرة بل الإحصائيات تشير إلى أنها تذهب للنمو، وفي تلك الفترة بالذات اقتصاد الكويت الدولة المستهدفة، كان الأقوى، فائض مالي كبير وصندوق احتياطي قوي، ومشاريع استثمارية للبنى التحتية على مستوى المنطقة، وسوق البورصة النشط، وأسهم عالمية وسندات وعقارات خارجية وفوائض مالية وصندوق احتياطي قوي. بل أكثر من ذلك كانت الاولى التي فكرت في تنويع اقتصادها والدخول في استثمارات. فقبل الغزو، كانت الكويت دولة دائنة للعالم، بفضل فوائض نفطية مستمرة وصناديق سيادية واستثمارات عالمية، وغياب شبه كامل للدين العام. كانت الاحتياطيات الأجنبية للحكومة ولشركاتها الاستثمارية تقدر بـ 80 - 100 مليار دولار تقريبًا قبل الغزو، وهي من أكبر مستويات الاحتياطي الحكومي في العالم حينها، هذا الرقم كان يعادل حوالي 4 - 5 أضعاف الناتج المحلي الكويتي، وهو ما يوضّح مقدار القوة المالية التي كانت لدى الدولة. وجزء من هذه الاحتياطيات كان مستثمراً عالمياً من خلال صناديق سيادية، مما أعطى الكويت دخلًا خارجيًا متنوعاً وليس فقط بالاعتماد على النفط، كما اعتمدت الكويت على احتياطيات ضخمة خارجياً لتمويل العجز، فكانت تغطي الفوارق دون اللجوء إلى ديون خارجية كبيرة. ولنتذكر أنها في حقبة الثمانينيات.
يجب أن نعترف بحقيقة أيضاً، أن الاقتصاد الخليجي، بل جميع الاقتصادات النفطية وقتها، كانت تعتمد على النفط وعوائده بنسبة 100%، ولم يكن للقطاع الخاص قوته، فكان مرتبطًا ارتباطاً تاماً بالإنفاق الحكومي كشأن باقي القطاعات، وهذه الأسباب كفيلة بأن تؤدي إلى تهاوى الاقتصاد حين يتعرض لأي عارض، فلا شيء حقيقي يمكن أن يسنده.
وقبل حرب الخليج الثالثة على العراق في 2003، كانت الاقتصادات والأسواق الخليجية فعلًا في مرحلة نمو قوية، بل أقوى وأكثر نضجاً بكثير مما كانت عليه قبل حرب 1990، ولنتذكر أن الحرب جاءت بعد أحداث 11 سبتمبر. وتميزت اقتصادات الخليج حينها بتدفقات مالية عائدة من الخارج، وارتفاع حذر لكن مستمر في الإنفاق الحكومي، وتوجه نحو الاستثمار الداخلي مما أكسبها قوة، ولكن توقف كل ذلك على أثر الحرب الثالثة.
كذلك ما نعيشه الآن، وبعد انتعاش وتقدم واستقرار ونمو كبير لكافة اقتصادات المنطقة وتمكنهم من الخروج من عوارض الازمات، هناك تلويح بحرب قد توقف هذا التقدم الذي لا يحتمل التأجيل.
[email protected]



