نحن لا نخون ماضينا حين نغيّر قناعاتنا، بل نكرّمه حين نعترف بأنه كان مرحلةً ضرورية أوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن. فالثبات الحقيقي لا يكون في التمسك الأعمى بالأفكار، بل في القيم الجوهرية التي تُوجّهنا نحو الحق والعدل والإنسانية. أما الأفكار والآراء، فهي أدوات لفهم العالم، تتبدل كلما اتسعت الرؤية وتعمّقت التجربة.
المقلق فعلًا أنه لا يزال هناك أشخاص يتفاخرون بثباتهم أو صمودهم على الرأي والقناعات ذاتها منذ سنين طويلة، غير مدركين أن هذا لا يدل بالضرورة على صلابةٍ فكرية، بقدر ما قد يشير إلى غياب الوعي بالذات أو عجزٍ عن مواجهتها. وهنا تكمن الخطورة الأكبر: أن يعيش الإنسان ميتًا وهو على قيد الحياة؛ يخوض التجارب دون أن تترك فيه أثرًا، ويخالط العالم شكلًا بلا وعي، ويمر بالأفكار كما يمر بالوجوه، دون أن يتوقف للفهم أو التأمل.
لا ضير في أن نعتنق فكرةً ازدريناها يومًا، ولا عيب في أن نراجع قناعاتٍ دافعنا عنها بشراسة في مرحلةٍ ما من حياتنا. فالنضج لا يكمن في أن نظل على صواب دائمًا، بل في أن نملك الشجاعة للاعتراف حين يتبيّن لنا أن الصواب كان في اتجاهٍ آخر، أو حين ندرك ببساطة أن ذائقتنا قد تغيّرت.
إن التغيير، بكل أشكاله، ليس خيانةً للذات، بل استجابة صادقة لنموها. وفي عالمٍ لا يكفّ عن التحوّل، يبقى التغيير هو الثابت الوحيد، ومن يرفضه لا يحافظ على نفسه كما يظن، بل يحكم عليها بأن تعيش بلا معنى.



