ذات مرة.. فرطت إدارة بيروقراطية في تلقين موظفٍ تنفيذ الإجراءات، شددت عليه الخناق بالوقت، وراكمت عليه المهام كأن قلبه بطارية تُشحن في استراحة القهوة، وكأن روحه لا تحتاج إلى توقفٍ أو التفات، لم تسأله: هل أنت بخير؟
لم تنظر في عينيه لترى الإرهاق وهو يختبئ خلف الابتسامة المهنية.
وذات مرة.. فرط موظف في العطاء، أفرط في الولاء، أفرغ قلبه في العمل، ظن أن إخلاصه سيُرى، وأن جهده سيُحتضن، وأن الإدارة ستقول له يومًا: شكرًا لأنك لم تكن مجرد رقم، لكنه وجد الصمت.. وصوت الخطابات الرسمية أعلى من نبض تقديره.
بين الإفراطين تضيع الإنسانية، إفراط في السيطرة.. وإفراط في التضحية، وكلاهما إن لم يُضبط بالعدل، صار قيدًا.
أتأمل سيرة رسولٍ عظيم -صلى الله عليه وسلم- ، حين قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء.» لم يقل: على العبادات فقط، ولا على العلاقات فقط.. بل على كل شيء، حتى في إدارة العمل، في توزيع المهام، في المحاسبة، في العتاب، في الثناء كان -صلى الله عليه وسلم- إذا عمل أحدٌ بين يديه، عرف قدره ، وكان يقول: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، وما الأجر إلا مالًا فحسب.. بل كلمة طيبة، ونظرة تقدير، وعدلٌ في التوقعات، ورحمة في التكليف.
الإدارة ليست إحكام القبضة، وليست ترك الحبل حتى ينقطع، هي ميزانٌ دقيق بين الحزم والرحمة، بين الهدف والإنسان، في بيئات العمل، نحن لا ندير ملفات.. نحن ندير أرواحًا، والروح إذا أُرهقت صمتت، وإذا صمتت ذبل الإبداع، وإذا ذبل الإبداع تحولت المؤسسة إلى ماكينة تدور بلا حياة.
وأخلاقيات المهنة ليست لائحة تعلق على الجدار، بل خلقٌ يُمارس حين لا يراك أحد، حين تختار أن تُخفف عن موظفٍ أثقلته الأيام، حين تقرر أن تُنصف جهدًا لم يُطلب منك إنصافه، حين تقول: «أحسنت» بصدق، لا مجاملة.
الحلقات الغليظة لا تنكسر بالصراخ: بل بالوعي..
وعي الإدارة أن البشر ليسوا آلات، وعي الموظف أن الولاء لا يعني استنزاف الذات حتى الاحتراق، وعي الجميع أن العمل عبادة، وأن العدل فيه طريق إلى رضا الله قبل رضا الناس.
قال الشاعر:
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكلهُ
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرَا
لكن الصبر لا يعني الظلم، ولا يعني أن نُعلق أخطاءنا على شماعة «الأنظمة».
المجد الحقيقي أن نبني مؤسساتٍ لا تُرهق القلوب،
ولا تكسر الخواطر، ولا تُقيد الأعناق بحلقاتٍ غليظة من الجفاء، فالعمل أمانة.. ومن حمل الأمانة، فليحملها بقلبٍ رحيم.
[email protected]



