في هذا النوع من البرامج، لا يكون النقاش بريئًا، الأسئلة تُصاغ بذكاء وبمكر، واللقطات تُعاد بانتقائية، ويُفتح المايكروفون لمن يجيد الاستفزاز لا لمن يملك المعلومة. يتحول المحلل من ناقد فني إلى طرف في المنافسة، يدافع، ويهاجم، ويبرر، وكأنه يمثل فريقًا لا رأيًا مهنيًا، وهنا تفقد الطاولة المستديرة معناها، لأن الآراء لا تُعرض لتُناقش، بل لتنتصر.
الأخطر أن كل ذلك يُقدَّم بواجهة احترافية، لكن خلف هذا الغلاف، يغيب المعيار، أخطاء تحكيم تُضخَّم حين تمس فريقًا، وتُخفَّف حين تصيب آخر، قرارات تُفسَّر وفق الميول، ومع الوقت، يتحول النقد من أداة إصلاح إلى سلاح انتقائي.
هذا الأسلوب لا يطوّر الوعي الرياضي، بل يصنع ضجيجًا دائمًا يُغذّي التعصب، ويحوّل الرياضة من متعة مشتركة إلى معركة كلامية، ويزرع الشك في عقل المشاهد: هل الهدف فهم اللعبة أم كسب جولة جديدة من الجدل؟
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود برامج تحترم عقل المشاهد، وتفصل بين الانتماء والرأي، وتقدّم قراءة هادئة ومسؤولة. هذه النماذج تؤكد أن المشكلة ليست في الإعلام الرياضي نفسه، بل في كيفية إدارته، وفي الغاية التي يُنتج من أجلها.
باختصار: كثيرا ما أنهي مشاهدة حلقة رياضية وأنا لا أشعر أنني فهمت المباراة أكثر، بل بأنني أكثر توترًا.. عندها أدركت أن بعض البرامج لا تُبث لتشرح ما حدث في الملعب، بل لتُخبرنا كيف يجب أن نشعر تجاهه.. وهنا، تبدأ المشكلة الحقيقية.
[email protected]



