ولعل وصفي لهذا الأمر لن يوفيه حقه، ولكني سأستعين بتقرير شركة إدارة مخاطر سلسلة التوريد -Everstream Analytics-، الذي جاء فيه أن سلاسل التوريد العالمية تتجه نحو عام يتميز باضطرابات متداخلة وعالية المخاطرة لدرجة يصعب احتواؤها وتمضي بشكل متزايد.
وتوقعت الشركة في تقريرها، أربعة أحداث من المرجح أن تعطل التجارة والخدمات اللوجستية على المدى القريب، أولها هو: ارتفاع حاد في الهجمات الإلكترونية على شبكات الخدمات اللوجستية، فقد أبلغت الشركة وخلال العام الماضي، عن قرابة 2526 حادثة إلكترونية في جميع الصناعات، أي ما يقرب من ضعف عدد الحوادث المبلغ عنها في عام 2024، واستهدفت الهجمات التي ترعاها دول من الصين وروسيا وإيران، البنية التحتية على الأرض وخارجها.
وثانياً، تصاعد تكتيكات الحرب الهجينة، والحرب الهجينة لا تعني الحرب التقليدية إنما خليط بين الضربات والعقوبات كما جرى في فنزويلا وإيران. وقد شُنّ على كلاهما مزيج من العقوبات الاقتصادية القاسية، والضربات العسكرية الموجهة، والحرب السيبرانية، وتأجيج الاضطرابات، وحملات التضليل الإعلامي المتواصلة. وكلاهما مشروعان طويلان الأمد لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وقد تصاعدت وتيرت الحرب الهجينة بينهما مؤخرًا، وقد بدأ ثم ازداد هذا النوع من الحروب منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، حيث ارتفعت اعداد عمليات الحرب الهجينة الروسية ضد حلفاء أوكرانيا الأوروبيين. وقد أدى تصاعد التدخلات والإجراءات الدفاعية إلى زيادة انقطاع الإمدادات اللوجستية في دول مثل بولندا وليتوانيا. ومن المتوقع أن تُؤدي الهجمات الإلكترونية وتزايد الهجمات التي تستهدف البنية التحتية إلى مزيد من تعطيل العمليات التجارية الأوروبية في عام 2026. كل ذلك الوضع سيؤدي إلى مزيد من الفوضى.
ثالثاً، تقادم البنية التحتية وتهالكها وانعدام كفاءتها للنقل، فبحسب تقرير الشركة فإنّ البنية التحتية الأساسية لسلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك الموانئ والجسور وشبكات الطاقة وشبكات النقل، تتقادم بسرعة وتواجه ضغوطاً غير مسبوقة، فتتفاقم بفعل الظروف الجوية القاسية. وتتوقع الشركة حدوث اضطراب واحد على الأقل بتكلفة مليارات الدولارات في عام 2026 نتيجة لانهيار البنية التحتية.
ورابعاً وأخيراً، الاستخدام الاستراتيجي للّوائح التجارية كوسيلة ضغط جيوسياسية، لماذا يعد هذا الاستخدام أحد أهم المخاطر وذلك بعد أن أصبح سمةً بارزةً للنظام العالمي في القرن الحادي والعشرين، إذ تحوّل من نموذج قائم على الكفاءة، إلى نموذج تحركه القوة والأمن القومي والنفوذ الاستراتيجي. فتلجأ الدول بشكل متزايد إلى استخدام أدوات مثل التعريفات الجمركية والعقوبات وضوابط التصدير ولوائح سلاسل التوريد لفرض نفوذها والسيطرة على التقنيات الحيوية وحماية مصالحها الوطنية.
فكم من الفوضى تعمنا بهذه العوامل مجتمعةً فهي تساهم في إعادة تشكيل تحديات بل مخاطر على سلاسل التوريد، وتم تحويلها من تحدٍ "حين كانت تتعلق بالتكلفة والكفاءة"، إلى مشكلة أمنية مستمرة، فلم يعد بإمكان الشركات التعامل معها على أنها عرضية أو إقليمية.



