وقد ولد البرنامج بمباركة كريمة من مجلس الوزراء الموقر، بهدف جوهري يتمثل في تحسين نمط الحياة وجودتها في المناطق الريفية، ورفع معدلات الاكتفاء الذاتي، مع مراعاة الميز النسبية لمناطق المملكة المختلفة. وقد عمل البرنامج بمهنية على ردم الفجوات التنموية بين المناطق الحضرية، والريفية عبر دعم قطاعات نوعية، قد لا تحظى بالتركيز في الزراعة الصناعية الكبرى، لتصبح قطاعات زراعة البن العربي السعودي، وإنتاج العسل، والفواكه الواعدة «الرمان، التين، العنب»، والمحاصيل البعلية «الذرة، الدخن، والقمح والشعير، والسمسم»، والورود والنباتات العطرية، ركائز أساسية لهذه التنمية.
وتعمل هذه المنظومة وفق سياسات استراتيجية واضحة، أولها الأمن الغذائي عبر سد الفجوة في المنتجات الغذائية الأساسية، وثانيها الاستقرار الاجتماعي الذي يهدف إلى خلق فرص عيش كريمة في الأرياف للحد من هجرة الريفيين واسرهم إلى المدن الكبرى، وثالثها الاستدامة البيئية من خلال الحفاظ على الموارد الطبيعية، وحماية التربة من الانجراف والتعرية، والمياه من النضوب.
وقد أثمرت هذه الجهود نتائج نوعية ملموسة، تمثلت في التمكين الاقتصادي وتحويل آلاف الأسر من «الرعوية» - الاعتماد الكلي على الماشية- إلى أسر «منتجة» تساهم بفاعلية في الناتج المحلي الإجمالي، كما برز دور البرنامج في دعم المرأة الريفية، حيث مكّن ربات البيوت من الانخراط في الصناعات التحويلية «كتجفيف الفواكه، وصناعة القهوة، ومنتجات العسل والألبان، والصناعات النسيجية»، مما دعم وعزز وضعهن المادي. وعلى صعيد الصحة العامة وسلامة الغذاء، شجع البرنامج الممارسات الزراعية السليمة «GAP»، مما ساهم في توفير منتجات محلية طازجة خالية من متبقيات المبيدات الضارة، وهو ما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة للمجتمع.
ولعل العلامة الفارقة والأكثر تميزاً في مسيرة هذا البرنامج هي الحوكمة المنضبطة والمرونة في التطوير، والتي تجلت بوضوح في تأسيس المرجعية العلمية الأساسية للبرنامج «أكاديمية ريف» كيان مؤسسي متمكن في تأسسيه ليمثل الذراع الأكاديمي والمعرفي والمهاري، والقلب النابض للبرنامج، وتحظى الأكاديمية بعناية فائقة بتوجيه الوزير ومتابعة قريبة من قبل النائب المهندس منصور المشيطي، وإدارة تنفيذية خبيرة بقيادة د. مها الضاحي، ويعمل فريق الأكاديمية ومجلس إدارتها على سد الفجوة المعرفية لدى الريف وتنميته وتمكين المرأة بفاعلية في برامج التنمية الزراعية والريفية.
ولضمان استدامة نجاح الأكاديمية وتعظيم أثرها، لا بد من التركيز على تغطية تخصصات حيوية، تشمل: مسار الصحة الزراعية والبيئية «One Health Approach»: ويتضمن ذلك تدريب المزارعين على فترات التحريم للمبيدات لضمان منتج صحيح خالي من المتبقيات الكيماويات الزراعية، وتعزيز الأمن الحيوي «Biosecurity» لحماية المزارع من الأمراض الوبائية المشتركة «Zoonotic diseases»، خاصة في قطاعي الماشية والنحل. مسار التقنيات الزراعية الحديثة طAgri-Tech»: ويركز على الزراعة الذكية مناخياً، وتوظيف المستشعرات والذكاء الاصطناعي لمراقبة صحة النبات والتربة، إضافة إلى تقنيات وممارسات ما بعد الحصاد وتقنيات التخزين والتبريد لضمان وصول المنتج للمستهلك بقيمة غذائية عالية. مسار ريادة الأعمال والإرشاد: ويشمل تطوير سلاسل الإمداد والتسويق الرقمي لتمكين المزارع من التخلص من الوسطاء، وتفعيل السياحة الزراعية «Agri-Tourism» لتحويل المزارع إلى وجهات سياحية وتثقيفية واعدة اقتصادياً.
خلاصة القول، يمثل برنامج «ريف» وذراعه الأكاديمي نقلة نوعية في مفهوم التنمية الشاملة بالمملكة، وتوظيف الميز النسبية للمناطق والافراد، والذي تجلى بوضوح بأن نجاح البرنامج لا يُقاس فقط بأطنان الأغذية المنتجة، بل بمؤشرات التنمية البشرية، والصحية في المناطق الريفية واستدامة إسهاماتها.
خاتمة القول: شكراً لخادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد «يحفظهم الله»، وشكراً لوزارة البيئة والمياه والزراعة ووزيرها ونائبه على هذا الحراك البيئي والشكر موصول للمهندس غسان بكري أمين البرنامج ود. عادل المطلق نائبه وفريق العمل المتخصص. العالم بأسره شاهد وعاش من خلال مؤتمرات وبرامج محلية وإقليمية ودولية قصصاً جميلة ملهمة ويثمن المجتمع الدولي تلك الإنجازات والنجاحاتها .
استاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
[email protected]



