في مقال نشر بالغارديان الأحد الماضي، جاء على هامش افتتاح منتدى دافوس الاقتصادي، بعنوان «دافوس 2026: هل هي الفرصة الأخيرة لإنقاذ النظام العالمي القديم؟» يحلل فيه الوضع السياسي الحالي ويشير إلى تبعاته الاقتصادية المستقبلية، وشخصياً سبق وطرحت مثل هذه النقاط في عدد من المقالات. ولكن أعجبني التحليل واستخدام مصطلحات أجدها تم توظيفها لغوياً في محلها.
النظام العالمي القديم إنما يشير إلى القانون الدولي أي هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وسيطرتها بعد الحرب العالمية الثانية، وفرض إرادتها من خلال تأسيسها للأمم المتحدة وصندوق النقد والاتفاقيات وغيرها، لتصنع منها القوة الواحدة. الفكرة تكمن أن كل ما يتم تنفيذه اليوم من قرارات وفرض سياسات ستكون لها تبعاتها، وتلك التبعات ستساهم في تشكل النظام العالمي الجديد، والتمرد على القديم المتمثل بالقوة الواحدة وهي الولايات المتحدة الأمريكية.
ما يحدث اليوم أمر يستحق العناء، فلكل عملية هدم لها تبعاتها، لإعادة البناء الجديد، ولأننا تجاوزنا إرهاصات اللحظة، وسقطنا في تكوين الحدث ومخاطره، فنحن نشهد انبثاق العالم الجديد بكل عنفوانه. فما هو العالم الجديد الذي ينادي الخبراء بتأخيره، والذي يتشكل وفقاً لما يجري الآن من أحداث سياسية غير مسبوقة، دعونا نستعرض بعض الأفكار معاً.
استطّلع المنتدى الاقتصادي العالمي رأي أكثر من 1300 سياسي ورجل أعمال وأكاديمي حول مخاوفهم بشأن المستقبل، وأتفقوا على «المواجهة الجيواقتصادية» هي أكبر خطر وأكثر إلحاحاً خلال العامين المقبلين، أي الصراع على الهيمنة الاقتصادية بين القوى. أما الخيار الثاني والأكثر شيوعاً هو نشوب حرب شاملة بين الدول.
ولكن لدينا اليوم تجاوزات للسياسة خطيرة وغير مسبوقة، ووفق ما قاله أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة: «عندما يتجاهل القادة القانون الدولي -عندما ينتقون القواعد التي يتبعونها- فإنهم لا يقوضون النظام العالمي فحسب، بل يرسخون سابقة خطيرة.. ربما تكون روسيا قد بدأت هذه العملية بغزوها لأوكرانيا، وفي حين أثار الصراع في الشرق الأوسط مخاوف بالغة بشأن جرائم الحرب، لا سيما جراء القصف الإسرائيلي شبه الشامل لغزة، إلا أن سلوك الولايات المتحدة هو الذي دفع النظام الدولي ما بعد الحرب إلى حافة الانهيار.. إن تآكل القانون الدولي لا يحدث في الخفاء، أن ذلك قد يُثير مقاومة متنامية بين شعوب العالم. ورغم أهمية النفوذ الأمريكي، فإن الصين وغيرها من الدول النامية تواصل نموها كشريك في الاقتصاد العالمي، مما يعني أن ميزان القوى على المدى الطويل يميل ببطء لصالحها».
لامس غوتيريش الجرح ووضع عنوان المرحلة. إذ لكل حالة لفرض القوة سيواجهها تمرد، ويمكننا أن نراها في تغير السياسات الكندية مثلاً. فلم يبالغ الرئيس الأمريكي بوصف كندا على أنها الولاية «51» وذلك بسبب كونها البلد الأكثر طاعة للولايات المتحدة الأمريكية، لدرجة أنها كانت في حالة عداء كبير مع الصين تسببت في قطع التمثيل الدبلوماسي لسنوات لانحيازها للقرارات الأمريكية. اليوم كندا تغير سياستها اتجاه الصين.
يجمع بعض الخبراء على أن حصة الصين في الاقتصاد العالمي تكبر مع كل تلك الأحداث، مما يعني أن ميزان القوى على المدى الطويل يميل ببطء لصالحها لتغير النظام العالمي القديم وتستبدله بجديد.
[email protected]



