كان الطقس شديد البرودة، ورياح الشمال تنذر بشتاء قطبي قارص، وكانت بُنيتي الجسدية حينذاك ضعيفة، لغتي أيضا كانت ضعيفة، والمال الذي معي كان يسير، وكان يبدو جلياً من هيئتي، أنني قادم من دول العالم الثالث.
ومثلما نال ذلك البرد مني، أكسب الأوكران قسوة، فهم لا يبدون تعاطفاً كبيراً مع الغرباء، إلا أنهم للأمانة لم يكونوا متحيزين أو عنصريين، كعموم الأوروبيين اليمين، ورغم ذلك أحسست بينهم بغربة.
الفنان مصطفي سيد أحمد، وصف مشهد مماثل في أغنية، ما زالت تثير أشجاني، وتوقظ في نفسي الأشواق القديمة، يقول مطلعها «الدنيا ليل غربة ومطر».
أتذكر ثاني يوم وصولي لمدينة الرياض، وبينما كنت أتمشي، جال في خاطري أنني في بلدي، نفس القواسم المشتركة تقريبًا، فأنا ابن الصحراء الكبرى صنو الصحراء العربية، وسكني على ضفاف النيل، لم ينسيني قط السباحة فوق صفحة الصحراء الناعمة، والغوص بين الكثبان الرملية المتموجة.
كنت قد تعرفت في تلك الأيام، على صديق سعودي بالرياض، ثم صار فيما بعد أكثر من أخ، وهو صاحب الفضل والقِدْح المعلى في تعرفي على الرياض، والذي جعلني أفتتن بها وأقع في حبها معه، هذه المدينة المحتشمة الرحبة الكبيرة، التي تحمل بين جنباتها سمات الحداثة وخصائص العراقة، وتسكن الوجدان وتوشوش الروح، لذا أجد من العرفان أن أدين له بتلك اللحظات الجميلة الباقية بيننا.
لدينا في السودان شاعر وقاص بارز، يلقب برائد القصيدة المعاصرة، وھو من شعراء مدرسة الغابة والصحراء ربما لا يعرفه بعض أولئك الذين يقرضون الشعر خارج السودان، لكنه عندنا علم وصاري في بحر الشعر، أسمه مصطفي سند، إحدى قصائده تقول :
في البدء قال الواهمون..
يا للسعادة بيت صاحبنا القرنفل ..
قاع منزله البهار وسقفه الغيم الحنون ..
حقا ما أشبه صديقي «الرياضي» بذلك القرنفل، في كرمه ونبل صفاته، رغم أن ظروفه المالية لم تكن في تلك الأيام جيدة، إلا أنه كان يظهر دوماً متدثراً بستر الله الجميل، الذي أسبغه علينا جميعا، حتى إِذا ما جئته رأيتهُ متهللا، ومِعطاراً، و»كشخة»، وغالبا لا يكون في جيبه «المشقوق» إلا بعض الريالات القليلة، لكن رغم ذلك كان منزله بيت جود وفيض، وكنا نحن أصدقاءه نتوهم أنه يمتلك الكثير، ويحيا في بحبوحة من العيش الرغيد.
وفيما بعد عندما تحسنت أحواله، زادنا وداً وقرباً، هكذا هم الأصدقاء بالرياض، لطالما كانوا كذلك، أما الصديق الرفيق الملقب بأبو صامل، فلا أذكر الكرم إلا وأذكره، ولا غرو أن يحبه الجميع، على أن حبي لمدينة الرياض لا يبدو مجرد حب، إنه التزام ما تجاه أشخاص أعرفهم يسكنون بها، ويستوطنون القلب والروح.
وللحقيقة، فإن وصولي إلى الرياض قادمًا من الخرطوم، لم يكن مجرد انتقال جغرافي، لعله كان شيئا أكثر ارتباطًا وعمقًا، أنه القدر اللطيف كما أصفه، فأنا هنا أحس بأني بين أهلي وناسي، ولستٌ كما قال المتنبي غريب الوجه واليد واللسان.



