أتذكر بوضوح عندما كان المغتربون يأتون لقضاء إجازتهم في السودان، كانوا يحظون باستقبال حار، ويفسح لهم في المجالس للحديث عن الغربة.
كانت معظم أحاديثهم تدور حول رغد العيش، والتطور الذي طالما تمتعت به المملكة، فبعضهم كان يصفها بأنها درة الشرق، وآخرون يقولون إنها جوهرة المدائن، ولعل تلك القصص والأخبار التي أسمعها كانت تشحذ خيالي، وتجعلني أتوق أكثر لزيارتها.
لطالما نظر الناس إلى المملكة بشيء من الإعجاب والافتتان والحب، ليست لأنها بلاد الحرمين فقط، بل أظن أن هناك سرًّا، أودعه الله وخبأه في نفوس المسلمين، ذلك الذي يبرز سمو مكانتها، ويعلي من شموخ هامتها.
على أني أجد أيضًا -كثيرًا من الناس، ينظرون إلى مصر، بنوع من الحب والإجلال، ولا غرو في ذلك، فمصر كنانة الله في أرضه، وكلاهما مصر والمملكة أختايَ بلادي.
أذكر في مرة جاء خالي من الرياض لقضاء الإجازة عندنا بالخرطوم، وكان يحمل الكثير من الهدايا والعطور والملابس، وأهدانا يومها علبة شوكولاتة، كانت تلك أول مرة أتذوق شوكولاتة على الإطلاق، خامرني عندئذ إحساس مُبهِج، إذ لم تكن حليمات التذوق عندي، قد اختبرت هذا الطعم الفاخر من قبل.
ثم سافرت إلى جمهورية أوكرانيا، وكانت كييف خارجة من وطأة الحِقبة السوفيتية، وبعد سنوات طويلة قضيتها في الترحال، جئت إلى الرياض، وكانت لحظة عجيبة تستعصي عن الوصف، وجاء أحد الأصدقاء ثاني يوم وصولي، وصحبني في جولة للتعرف على مدينة الرياض الجميلة البهية.. كان الوقت بداية المساء والشتاء ما يزال على الأبواب، صعدنا برج المملكة ومن فوق قمته بدت لي المدينة الكبيرة، وشهدتُ السماء وهي تلامس الأرض عند خط الأفق، ورأيت مساحات ضخمة من البنيان المرصوص تنبض بالحياة.
وأبراجًا تشرئب للمستقبل، تكاد أن تعانق السحاب، وشوارع ممتدة تطوي المسافات والزمن، والناس تسير بخطوات نشطة غير عابئين بالمطر.
وعلى أطراف الرياض رأيت صفحة الصحراء على مد البصر، وشهدت تلألؤ الرمال كتِبر منثور على وقع انعكاس أشعة الشمس الراحلة، بينما زخات المطر تنسال برفق على ملابسنا، والرذاذ يغطي وجوهنا بنعومة مخملية، وتنشقت رائحة ألفتها، رائحة الأرض العطشى حينما تغازل السماء وتفيض بالمطر.
وتذكرت قصيدة بدر شاكر السياب، أنشودة المطر، لا أعرف السبب الذي دفع بها إلى ذهني، فقد باغتتني كلماتها التي تقول:
عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ
سَاعَةَ السَّحَرْ،
أو شُرْفَتَانِ.. رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ .
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ.. كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
حقًّا ما أجمل الرياض في بدايات الشتاء، فهي مدينة استثنائية تجمع بين الحداثة والأصالة، تجمع بين القديم والجديد، ولعل أجمل ما يميز الرياض ليس جمال مبانيها فقط، بل سكانها الذين يتحلون بالكرم ويتسمون بجمال الصفات، وتحس معهم بالألفة، أنهم بلا شك شعب ودود ومِضياف، وأمةٌ عريقةٌ تفخر بخدمة الحرمين.
غير أن الرياض مدينة مختلفة ولها طعم آخر، ومن زارها مرة، لا بد أن يرغب في زيارتها مرات أخرى.
أذكر مرة طلب مني صديق يعيش في نيويورك، أن أصف له الرياض فقلت بإيجاز: «إنها مدينة اليمام والضياء والجمال والحرور والبخور والنجوم والعطور والأمان والنخل».
قال لا بد أنها جميلة، قلت هي كذلك، قال إذن أنت تحبها؟ قلت نعم.. فقد استوطنت قلبي، أو لعل قلبي هو من استوطنها، لكن تلك قصة أخرى.



