المشكلة أن التقييم تجاوز الخدمات، بل انتشر معنا في العمل والبيوت والعلاقات، حتى أصبح بعضنا يتعامل مع البشر كأنهم خدمات مدفوعة، ننتظر منهم سرعة الاستجابة، والعبارة المناسبة، والحضور في الوقت الذي نحتاجهم فيه؛ وإذا أخطأ أحدهم في موقف، اختزل بعضنا تاريخه كله في ذلك الخطأ! مثالًا على ذلك، أن يكون الشخص كريمًا طوال عمره، ثم لظرف ما يتردد مرة فنصفه بالبخيل؛ وقد يقف معنا في أزمات كثيرة، ثم يغيب عن أزمة واحدة فنقرر أنه لا يُعتمد عليه! نحن لا نراجع موقفه فقط، بل قد نعيد تعريفه كاملًا وفق آخر تجربة!
ولأننا قد نكون قساة في التقييم، بتنا نخشى تقييم الغير لنا! نعيد صياغة رسائلنا، ونختار الصور التي توحي بأن حياتنا أفضل، ونخفي ارتباكنا وتعبنا كي لا تتغير صورتنا في أعينهم؛ شيئًا فشيئًا، قد لا نعيش كما نحن، بل ندير سمعتنا كما تدير المنشآت حساباتها؛ نراقب الانطباعات، ونتجنب الملاحظات السلبية، ونقدم نسخة محسنة لا تشبهنا تمامًا؛ باختصار، كالروبوتات نعيش!
التقييم بذاته ليس هو الخطأ؛ فالحياة تحتاج إلى تمييز، والعلاقات تحتاج إلى حدود، والتصرفات المؤذية لا تصبح مقبولة باسم التسامح؛ لكن ثمة فرقًا بين أن نقول: هذا التصرف سيئ، وأن نقول: هذا إنسان سيئ! الأول حكم على واقعة، والثاني إلغاء لشخص كامل.
والتناقض المضحك أن بعضنا يرفض أن يفعل الآخرون به الشيء نفسه؛ نطالبهم بفهم ظروفنا، ومنحنا فرصة ثانية، والنظر إلى نياتنا لا إلى نتائج أفعالنا؛ بينما قد لا نقدم لهم المساحة ذاتها! نريد لأنفسنا حكمًا بالإجمال، بينما نمنح غيرنا حكمًا سريعًا لا استئناف له.
ربما علينا، قبل أن نمنح أحدًا نجمة واحدة، أن نسأل: هل نقيم موقفًا، أم نصدر حكمًا نهائيًا؟ وهل منحناه حق التفسير، أم اكتفينا بما ظهر لنا؟ وتذكّر أن مقياس التقييم صُمم للخدمات، لا للبشر؛ فالإنسان لا يُختصر في تجربة، ولا ينبغي أن يصبح رضانا عنه مشروطًا بأن يؤدي دوره في حياتنا بلا تأخير أو نقص.
@2khwater



