وعندما نقرأ سير الناجحين، نجد ذلك واضحاً؛ فالناجح لا يغيّر هدفه لأن الآخرين خالفوه، ولا يتمسك بطريقه إذا اكتشف أن هناك طريقاً أفضل للوصول.
وكل جميل يظل واضحاً في سيرة المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-، فعندما غادر نبي الرحمة بيته يريد الهجرة، وذلك بعد أن حاصره المحاصرون، توجه إلى دار رفيقه أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، ثم غادر منزل الأخير من باب خلفي، ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر.
ولما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم أن قريشاً ستجدّ في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالاً، سلك الطريق الذي يضاده تماماً، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن. سار نحو خمسة أميال حتى بلغ جبل ثور، وهو جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى، فحفيت قدما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء صعوده، وحمله أبو بكر، وطفق يشتد به حتى انتهى به إلى غار في قمة الجبل، وهو غار ثور.
وهكذا في الإدارة، قد تضع خطة رائعة، ثم تتغير الظروف، فيصبح تعديلها دليل نضج لا دليل ضعف.
وفي التجارة، قد تبدأ بمنتج أو طريقة تسويق، ثم تكتشف أن السوق يسير في اتجاه آخر، فلا تجعل عنادك أغلى من مشروعك.
وفي الأسرة، قد تستخدم أسلوباً مع ابنك سنوات، ثم تكتشف أنه لا يصلح معه، فلا تجعل قولك: «هكذا تعودت» سبباً في خسارته.
حتى في حياتنا الشخصية، كم من إنسان أصر على طريق لمجرد أنه بدأه، مع أن كل المؤشرات تقول له: غيّر المسار!
ليس النجاح أن تسير دائماً في خط مستقيم، بل أن تعرف متى تتقدم، ومتى تنتظر، ومتى تنعطف، ومتى تسلك طريقاً لم يكن في حساباتك.
وهذا ما نحتاج إليه في حياتنا وإداراتنا: أن نفرق بين الثبات على الأهداف والثبات على الوسائل؛ فالأهداف الكبرى تستحق الثبات، أما الطرق والوسائل فيمكن تغييرها، وقد يكون أعظم قرار تتخذه لإنقاذ مشروعك أو أسرتك أو مستقبلك هو أن تتوقف لحظة، وتنظر إلى الطريق الذي يسلكه الجميع، ثم تقول لنفسك:
الهدف لم يتغير.. ولكن ربما حان الوقت لأغيّر الطريق، فالمدينة كانت شمالاً، وبدأت الهجرة جنوباً!
[email protected]



