ولذا، قد يتساءل القارئ عن المقصود بالمرونة المعرفية والتي تبين مقدرة الإنسان على تغيير أنماط تفكيره، وإعادة تفسير المعطيات، والتكيّف الذهني مع مواقف جديدة أو معقّدة، والانتقال السلس بين أفكار ومهام مختلفة بعيداً عن الجمود الفكري والتفكير الأحادي، والاعتماد المفرط على الخبرة القديمة باعتبارها صالحة لكل زمان ومكان وخصوصاً في ظل التغيرات المتسارعة بسوق العمل. إن الناظر في واقع سوق العمل يلحظ جلياً بأنه لم يعد يشبه ما كان عليه قبل عقدٍ من الزمن. فالأتمتة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والعمل عن بُعد، وتلاشي الحدود بين التخصصات، كلها عوامل أعادت تشكيل الخريطة المهنية للقدرات والوظائف حيث اختفت مئات الوظائف وتولدت مئات أخرى بمسميات متغيرة، وبمهارات أُعيد تعريفها، حيث لم تعد الشهادات وحدها ضمانة الاستقرار الوظيفي، وتعددية سنوات الخبرة كافية للبقاء في المنافسة.
ولا شك أن هذا الواقع ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 التي تؤكد على جاهزية رأس المال البشري، ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، ورفع كفاءة القوى العاملة الوطنية. وهنا يظهر الفارق بين من يمتلك معرفة جامدة، ومن يتمتع بمرونة معرفية تمكّنه من الانتقال بين أدوار ومهام مختلفة داخل الجهة الواحدة أو عبر مسارات مهنية متعددة. ومن هنا يبرز السؤال المهم لماذا تطلب الشركات المرونة قبل الخبرة؟
بالاطلاع على تقارير التوظيف المحلية والإقليمية، نجد أنها تشير إلى أن أصحاب العمل باتوا يفضلون المرشحين القادرين على التفكير النقدي، وحل المشكلات غير المألوفة، والتعلّم السريع، على أولئك الذين يملكون خبرة عميقة في مجال ضيق. فالمنظمة الحديثة لا تبحث فقط عمّن يؤدي المهمة، بل عمّن يطوّرها، ويتعامل مع الغموض، ويتخذ قرارات ذكية في بيئات متغيرة. وفي السوق السعودي، ومع تنامي قطاعات جديدة مثل السياحة، والترفيه، والتقنية، والطاقة المتجددة، وريادة الأعمال، أصبحت المرونة المعرفية عاملًا حاسمًا في توظيف الكفاءات الوطنية وتمكينها من قيادة التحول، لا مجرد التكيّف معه. ولذا، فالفجوة السحيقة بين التعليم والمرونة يجب ردمها، فعلى الرغم من الجهود التطويرية الكبيرة في منظومة التعليم، إلا إنه ما زالت تمارس بعض الممارسات التعليمية المعززة للتلقين والحفظ، والمكافئة للإجابة الواحدة، ما تحدّ من تنمية وتعزيز المرونة الذهنية، فالطالب الذي يتعوّد على أن لكل سؤال إجابة نموذجية، سيواجه تحديًا حقيقيًا في سوق عمل يتسم بالتعقيد وعدم اليقين.
فالتحول المنشود، والمتسق مع برامج الرؤية، لا يتمثل فقط في تحديث المناهج، بل في تبنّي أساليب تعلم تشجّع على التفكير النقدي، والتجريب، والعمل القائم على المشروعات، والتعلم متعدد التخصصات، وربط المعرفة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي.
ومن الصعب تحميل المؤسسات التعليمية وحدها مسؤولية إعداد الأفراد لسوق العمل، بل هي مسؤولية مشتركة بين الفرد والمؤسسة والمجتمع. فالقراءة المتنوعة، وتعلّم مهارات جديدة خارج نطاق التخصص، وتقبّل النقد، والعمل في بيئات متعددة الثقافات، كلها ممارسات تصنع عقلًا مرنًا وقادرًا على التكيّف. ففي زمن التحول الوطني لم يعد التميز حكرًا على الأذكى أو الأقدم خبرة، بل على الأكثر قدرة على التعلّم وإعادة التعلّم. فالمرونة المعرفية ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، وبناء سوق عمل تنافسي يقوده إنسان واعٍ، مرن، وقادر على صناعة الفرص بدل انتظارها. فبناء المواطن والمواطنة الواثق بقدراته، والمنفتح على العالم، والمتسم بالمرونة المعرفية، هو الرهان الحقيقي لمستقبل سوق العمل، والاستثمار الأعمق الذي تتبناه رؤية السعودية 2030.
وختاماً، فالمرونة المعرفية ليست مجرد مهارة فردية، بل ثقافة وطنية يجب أن نغرسها في التعليم، والعمل، والحياة. فالمستقبل لا ينتظر المترددين، بل يفتح أبوابه لأولئك الذين يملكون الشجاعة لتغيير عقولهم قبل تغيير وظائفهم.
[email protected]



