وفي صيف العام الحالي والذي شهد العديد من الحرائق في مناطق عسير والباحة وجازان، والذي يعد مؤشر لاستمرار سلوك الانسان السلبي، والذي معه قد نفقد هذه الثروة الوطنية، نتيجة غياب المعلومة الصحيحة، والتدريب على فهم المشكلة، وبدأ تفاقم الظاهرة لتخلق أزمة بيئية متصاعدة متمثلة في حرائق الغابات، والتي تعد إحدى أبرز التحديات البيئية الكونية، وتُهدد استدامة النظم الإيكولوجية، واستفحال تداعيات التغير المناخي، فلم تعد الحرائق مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل غدت نذرًا يُنذر بـاختلال الموازين الطبيعية على نحو متسارع ومُقلق.
وقد راج في السنوات الأخيرة اتساع مُطرد في رقعة هذه الحرائق وتواترها غير المسبوق، ويكشف ذلك هشاشة الغطاء النباتي أمام مجموعة مُتشابكة من العوامل الطبيعية والبشرية، فلم يعد تفسير الظاهرة حلقة مُفرغة مرتبطة بارتفاع الحرارة الكونية العالمية، والذي يشكل مواسم جفاف يُزيد من تبخُّر الرطوبة من التربة والنباتات، مُحولًا الغابات إلى وقود كامن وشديد الاشتعال، يدعم ذلك التصحر والاستغلال الجائر للأراضي، مما يُمسي مناطق واسعة عُرضة لالتهام النيران بسرعة هائلة، مُخلِّفة وراءها أضرارًا لا تُعوَّض على التنوع البيولوجي وجودة الهواء.
وتعود مثل هذه الحوادث وفق الدراسات الميدانية والبحوث العلمية إلى السلوك البشري نتيجة غياب الوعي، لأنه لا يمكن تجاهل البصمة البشرية في إذكاء هذه الكوارث. فالإهمال، سواء كان ناتجًا عن ترك مخلفات النزهات البرية، ورمي أعقاب السجائر أو عمليات حرق النفايات الزراعية غير المنظمة، وكلها تمثل شرارة رئيسية في اندلاع نسبة كبيرة من هذه الحرائق. يضاف لذلك الزحف العمراني على تخوم المناطق الحرجية والذي يُعرِّض المزيد من المجتمعات والمُنشآت للخطر، ويُعقّد من جهود المكافحة والاحتواء، مع غياب العقاب المنضبط لوقف مثل هذه التصرفات، مع غياب جهود التوعية والتثقيف البيئي العلمي الكافي حول أهمية منافع الغطاء النباتي الأخضر والذي يسهم في جودة الحياة واستدامة التنمية.
وقد أصبح علاج هذه الظاهرة ملف شائك يتطلب استراتيجية مُتكاملة ومُتعددة الأبعاد لا تقتصر على إخماد النيران فحسب، بل تمتد لتشمل الوقاية، التكيّف، والإدارة المُستدامة للغابات من خلال تعزيز الوقاية والمراقبة، وتطوير شبكات رصد مُتقدّمة تعتمد على تقنيات الاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي لتحديد البؤر الساخنة قبل انتشارها الأولي، وبرامج توعية وتشريعات وتفعيل حملات إرشادية واسعة النطاق حول مخاطر الإهمال، وتطبيق عقوبات صارمة بحق مُتسببي الحرائق، والعمل على تطبيق الإدارة البيئية للغابات «Fuel Management»، وتنفيذ خطط دورية للتخلص من الأشجار الميتة والأغصان المتساقطة للحد من المواد القابلة للاشتعال ما يُعرف بتقنية «القطع المُتحكم به، والعمل على إنشاء ممرات عازلة خالية من النباتات سريعة الاشتعال أو زراعة أنواع نباتية مُقاومة للنار حول المناطق الحيوية، والعمل على إعادة زراعة أنواع من الأشجار المتأقلمة مع الظروف المناخية الجديدة وأكثر صمودًا أمام الجفاف والحرارة، وتأمين التمويل الكافي لـتحديث أساطيل الإطفاء، وتدريب فرق متخصصة ذات كفاءة عالية في التعامل مع التضاريس الصعبة.
في خلاصة الأمر للتخلص من خطر هذه الآفة، يكمن في إدراك أن الغابة ليست مجرد ثروة خشبية، بل هي رئة الكوكب ودرعه الواقي. لذا، فإنَّ التزامنا الجمعي بمسؤولية حمايتها هو رهاننا الأخير نحو مستقبل بيئي أكثر أمانًا وازدهارًا، والعمل على تدريب منسوبي الجمعيات البيئة، والروابط الخضراء، وتفعل دور المدارس، ومنابر المساجد في التعليم والتوعية لنكون جميعا على مستوى المسئولية لتحقيق وطننا هدف وطننا وقيادته لتحقيق رؤيته البناءة، ودعم الاقتصاد الأخضر، وتحقيق هدف مبادرات السعودية الخضراء لتقليل الانبعاثات الكربونية «Zerocarbon» بمقدار 278 مليون/ طن/ سنويا بحلول 2030 .
استاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
[email protected]



