في المنتصف، لا أحد يراك إلا أنت، ولا أحد يسمعك إلا شكوكك، ولا أحد يساندك إلا ما تبقى فيك من إيمان لم يُستنزف بعد. هناك، حيث الملل يمدّ يده، والإرهاق يثقل الخطوات، والفتور يهمس بأن التراجع أرحم، تتشكل المعارك الحقيقية. منتصف الشهادة حيث يغريك الاكتفاء، منتصف التربية حين تتشقق القيم قبل أن تترسخ، منتصف الوظيفة عندما يتحول الحلم إلى روتين، منتصف المشروع حين يكثر الحساب ويقل الشغف، وحتى منتصف العلاج، حين يطول الألم ولا يظهر الشفاء. في هذا المنتصف الجاف، لا تُصنع الانتصارات بضربة واحدة، بل بتراكم صامت من الصبر، وبقرارات صغيرة تُتخذ رغم غياب الحماس، وبوفاءٍ للفكرة الأولى حين تفقد بريقها.
المنتصف هو الامتحان الأخلاقي للإنسان: هل يكمل لأنه يؤمن، أم يتوقف لأنه لم يعد يُصفَّق له؟ وهل يواصل لأن الطريق صحيح، أم ينسحب لأن الطريق صار متعبًا؟ النهايات، على جمالها، غالبًا ما تكون عادلة ظاهريًا فقط؛ فهي تمنح المجد لمن صمد، لكنها لا تشرح كم مرة كاد يسقط، ولا كم مرة سار بلا دليل. أما الانتصارات الحقيقية، فتتحدد في المنتصف، حيث تختار الاستمرار دون ضمان، والعمل دون تصفيق، والإيمان دون شاهد. هناك فقط، يتمايز من يعيش التجربة ممن يكتفي بحكايتها، ومن يبني المعنى ممن يستهلكه.
وبين البداية والنهاية، يدرك الإنسان أن الرحلة لم تكن اختبار قوة بقدر ما كانت اختبار صدق؛ فالحماسة لا تكفي، والقدرة وحدها لا تحمي من التراجع، وإنما الثبات على المعنى حين يغيب الدليل. فالنهايات لا تصنع القيمة، بل تكشف ما صُنع في المنتصف، ولا تمنح المعنى، بل تزيح الستار عنه.
أما التحول الحقيقي، فلم يحدث عند لحظة الوصول، بل في تلك اللحظات الخفية التي كاد فيها الإنسان أن يتوقف ولم يفعل، هناك حيث لا تصفيق ولا ضمان، وحيث تتشكل حقيقة المرء في صمت، في تلك المسافة التي لا تُرى ولا يُحتفى بها، لكنها وحدها التي تقول من نحن، وماذا اخترنا أن نكون.
هناك، حيث الملل يمدّ يده، والإرهاق يثقل الخطوات، والفتور يهمس بأن التراجع أرحم، تتشكل المعارك الحقيقية
[email protected]



