خلال العقود الماضية، تحولت الجامعة - في نظر الكثير منا - من فضاء لبناء الإنسان إلى محطة للحصول على الدرجة العلمية، وأصبح المعدل التراكمي هو البوصلة، والشهادة هي الغاية، بينما تراجعت القيمة الحقيقية للتعليم: التفكير النقدي، والمهارة التطبيقية، والقدرة على التعلم المستمر. هذا التحول لا يخص جامعة بعينها، بل هو ظاهرة عالمية، تتجلى بوضوح في مجتمعاتنا العربية.
الطالب الجامعي اليوم يعيش معادلة ضاغطة: سباق محموم نحو التفوق الرقمي، مقابل فرص محدودة لاكتساب مهارات الحياة والعمل. كثير من الطلاب يتقنون فن اجتياز الاختبار، وحفظ المحتوى مؤقتًا، ثم نسيانه بعد انتهاء الفصل الدراسي. في المقابل، يفتقرون إلى مهارات أساسية مثل التواصل الفعّال، وإدارة الوقت، والعمل ضمن فريق، وحل المشكلات المعقدة. والمفارقة المؤلمة تظهر عند التخرج. حين يطرق الخريج أبواب سوق العمل، يكتشف أن الدرجة وحدها لا تكفي. أصحاب العمل لا يسألون غالبًا عن الامتياز أو الجيد جدًا بقدر ما يسألون: ماذا تستطيع أن تفعل؟ ما المهارة التي تتقنها؟ كيف تفكر؟ وكيف تتعامل مع التحديات؟ هنا تتسع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الواقع.
بعض البرامج الجامعية ما زالت أسيرة المناهج النظرية، والاختبارات التقليدية، والتلقين المباشر. يقل فيها التعلم بالممارسة، والمشاريع التطبيقية، والتدريب الميداني الحقيقي، ولنكون أكثر انصافاً فالجامعة وحدها لا تتحمل المسؤولية بالكامل، فالطالب نفسه شريك أساسي في هذه المعادلة. حين يحصر طموحه في الدرجة فقط، ويتعامل مع الجامعة كمرحلة عابرة، يفوّت على نفسه فرصة ثمينة لبناء ذاته. الجامعة ليست مجرد قاعات ومحاضرات، بل شبكة علاقات، وبيئة تجارب، ومساحة لاكتشاف الاهتمامات وصقل الشخصية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى توازن واعٍ بين تحصيل الدرجة وبناء المهارة والقيمة، والذي يبدأ من الطالب ذاته حين يدرك أن المعدل التراكمي وسيلة لا غاية، وأن استثماره الحقيقي هو فيما يتعلمه خارج إطار الاختبار، وتخصيص وقت لتعلم مهارة مرتبطة بالتخصص، وكذلك المشاركة في الأندية الطلابية، أو الانخراط في العمل التطوعي، أو الالتحاق بتدريب تعاوني فعّال، حيث تصنع بمجموعها فارقًا حقيقيًا في تشكيل الهوية المهنية له.
دور الجامعة أن تعيد النظر في أساليب التعليم والتقييم، والتوسع في التعلم القائم على المشاريع، وربط المقررات بتحديات واقعية من سوق العمل، واعتماد أدوات تقويمية متعددة ومتنوعة بعيداً عن الاعتماد المفرط على الاختبارات النهائية وذلك لتعزيز الفهم العميق واكساب الطالب مهارات عملية قابلة للتطبيق في حياته، والعمل الجاد على بناء شراكات حقيقية مع القطاعات العامة والخاصة وغير الربحية لإيجاد فرص تدريب نوعية تتجاوز الشكل إلى المضمون.
كما يبرز دور عضو هيئة التدريس في الانتقال من دور ناقل المعرفة إلى ميسّر للتعلم، والمشجع للحوار، والمحفز للتفكير النقدي، ومنح الطالب مساحة للتجربة والخطأ لبناء الثقة والقدرة على حل المشكلات.
فالقيمة الحقيقية للتعليم الجامعي تُقاس بما يتركه في عقل الطالب وسلوكه. هل أصبح أكثر وعيًا بذاته وبالعالم؟ هل امتلك مهارة يمكن تطويرها؟ هل تعلم كيف يتعلم؟ هذه الأسئلة هي المعيار الحقيقي للنجاح.
إن المهارة الأهم التي يجب أن يخرج بها الطالب الجامعي هي المرونة والقدرة على التكيف، وإعادة التعلم، وتطوير الذات باستمرار. ولذا من المهم إعادة التوازن بين الدرجة والقيمة. درجة تعكس فهمًا حقيقيًا، لا حفظًا مؤقتًا. تعليم يدمج المعرفة بالمهارة، والنظرية بالتطبيق. وطالب يدرك أن مستقبله لا يُبنى في ورقة اختبار، بل في عقل متفتح، وقدرة عملية، وقيمة يضيفها أينما وُجد. ففي النهاية، الشهادة قد تفتح الباب، لكن المهارة والقيمة هما ما يُبقيانك في الداخل.
[email protected]



