فالطبيب النفسي، كما توضّح المدارس العلاجية المعتمدة، لا يواجه الإنسان بالحكم، ولا يختصره في تصرّف، بل يبدأ بالإنصات إليه قبل تشخيص حالته، وهذا المبدأ ليس رأيًا شخصيًا، بل نتيجة بحوث طويلة في علم النفس الإكلينيكي، تشير إلى أن الحكم السريع يرفع احتمالات سوء الفهم، بينما يقلّ التوتر، كلما أُتيح للعقل وقت أطول للفهم قبل التفسير. وبناءً على ذلك، يصبح الإصغاء مهارة لا تخص العيادة فقط، بل الحياة اليومية أيضًا.
لذا، توضح دراسات علم النفس السلوكي، أن العقل يميل بطبيعته إلى ملء الفراغات حين لا تتوافر له معلومات كافية، فيحوّل الظن إلى يقين، والتخمين إلى حقيقة. وقد أظهرت بحوث جامعية، أن نسبة كبيرة من الخلافات بين الناس تنشأ من سوء التفسير لا من سوء القصد. وهذا ينسجم مع الفكرة التي يلمّح إليها الكتاب مرارًا: وهي ألّا تتعامل مع فكرتك الأولى بوصفها الحقيقة الكاملة.
وعلى هذا الأساس، يصبح التمييز بين الفكرة والواقع ضرورة نفسية. فوفق تقارير صادرة عن منظمات صحية دولية، تشير إلى أن الأشخاص القادرين على مراجعة أفكارهم قبل الاستجابة الانفعالية تقل لديهم معدلات القلق المزمن، وتتحسن لديهم القدرة على ضبط المشاعر. وهذا يفسّر لماذا يركّز المختصون على تهدئة التفكير قبل محاولة تغيير السلوك.
ومن جهة أخرى، فإن التمهّل في الفهم لا يعني التهاون أو السذاجة، بل يعني الحكمة. فالدراسات السلوكية تؤكد أن الإنسان حين يمنح نفسه لحظة تفكير إضافية، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متزنة، وأقل اندفاعًا في ردود أفعاله.
إضافةً إلى ما سبق، فإن هذا الأسلوب في التفكير يخفف من قسوة الإنسان على نفسه. فكثير من الناس يعانون لأنهم يصدقون كل فكرة سلبية عن ذواتهم دون تمحيص.
وخلاصة القول، لا تبدأ معاناة الإنسان من الواقع، بل من الرواية التي ينسجها عنه في داخله، فالفكرة الصغيرة، التي لم تُختبر، قد تتحول إلى يقين، ثم إلى شعور، ثم إلى قرار يغيّر مزاج يوم كامل.
[email protected]



