عندما نقرأ سيرة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه نجد عناية من رب العباد جل جلاله بإعداد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم للمهمة العظيمة، ومن ذلك حادثة الإسراء والمعراج، فقد أسري برسول الله إلى بيت المقدس برفقة جبريل عليه السلام راكباً البراق، وصلى هناك بالأنبياء إماماً، ثم عرج به من بيت المقدس إلى السماء، فاستفتح له جبريل ففتح له، فرأى آدم أبا البشر عليه السلام، فسلم عليه، فرحب به ورد عليه السلام، وأقر بنبوته، وأراه الله أرواح السعداء عن يمينه، وأرواح الأشقياء عن يساره، ثم عرج به إلى السماء الثانية، ورأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم عليهما السلام، فلقيهما وسلم عليهما، فردا عليه ورحبا به، وأقرّا بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف عليه السلام، وفي السماء الرابعة، رأى إدريس عليه السلام، وفي السماء الخامسة، رأى هارون بن عمران، وفي السماء السادسة، لقي موسى بن عمران عليه السلام، وفي السماء السابعة لقي إبراهيم عليه السلام، وقد سلّم عليهم جميعًا، فردّوا السلام ورحّبوا به، وأقرّوا بنبوته، في مشهد قيادي بليغ يحمل دلالات عميقة.
بعد ذلك رُفع صلى الله عليه وآله وسلم إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبْقُها مثل قِلاَل هَجَر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، ثم غشيها فراش من ذهب، ونور وألوان، فتغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها، ثم رُفع له البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون، ثم أدخل الجنة، فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك، وعرج به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صَرِيف الأقلام.
ثم عرج به إلى الجبّار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى وفرض عليه الصلوات. الإسراء والمعراج ليست حدثاً عابراً، بل هي دروس أن القائد لا يعد في لحظة، ولا يُلقى في المعترك قبل أن يُهيأ، ولا يمكن أن ينطلق بدون تجارب من سبقه، بل هي برنامج طويل يبدأ من الداخل وينطلق نحو آفاق العطاء.

