الجميل أن الرحمة اليوم لم تعد مفهوماً مرتبطاً بالمشاعر فقط؛ بل سلوك يكشف الفرق بين الخطاب النظري والفعل الحقيقي؛ ولعل أوضح مثال على ذلك هو تعامل الناس مع الحيوانات؛ فالعطف عليها لم يعد رفاهية ولا مظهراً اجتماعياً، بل مرآة لمستوى الوعي الفردي والجماعي، ولقيم المجتمع.
في السنوات الأخيرة، كثرت المواقف التي تتقاطع فيها الإنسانية مع الحيوانات المشردة، والتي تكشف الكثير؛ لحظات بسيطة لكنها تكشف الكثير، فهل نرى وجود الحيوانات ازعاجاً؛ أم ندرك أنها كائنات لها الحق في الحياة، حتى إن لم تستطع طلب المساعدة! وهنا نجد الرحمة الحديثة والتي تعبر عن السلوك قبل الشعور.
إنقاذ الحيوانات لا يعد تصرفاً لطيفاً، بل اختبار للمنظومة كاملة؛ وعي الأفراد، سلامة الشوارع، مسؤولية الجهات، وحتى طريقة استجابة المجتمع للضعف؛ والتبني مثلاً، تحول إلى مسؤولية ذات تبعات واضحة، وكثر من أحبوا الفكرة، ولكن القليل استوعبوا بأنها ليست تجربة لطيفة وحسب، بل عقد أخلاقي مع كائن لا يملك إلا أن يثق بمن أخذه؛ وهنا نقطة الفصل بين من يريد أن يحمي حياة، وبين من يريد أن يظهر بمظهر الرحيم شكلاً!
ويبقى السؤال: هل الرحمة الحديثة وعي، أم لقطة أمام العدسات؟ الحقيقة بأن إنقاذ الحيوانات وتبنيها ليس سوى جزء من مشهد أكبر؛ وهو المشهد الذي يعكس مستوى نضج المجتمع، وطبيعة قيمه، حين يتعلق الأمر بما لا يحقق مكسباً مباشراً.



