ولو تركنا هذا البناء الهرمي العظيم، ودلفنا عبر المادة إلى أصغر أبعادها، إلى النواة الذرية في عالم الكم، سنشهد العجب ذاته؛ ففي قلب تلك العتمة المجهرية تُخبَّأ الطاقة القصوى، وحين تتلقى النواة صدمة خارجية، لا تتلاشى، بل تحدث تلك «القفزة الكمومية» التي تعيد ترتيب الجسيم في مستوى طاقة أعلى وأكثر صلابة.
وهذا الناموس الكوني، حفظ النواة في مجاهل العتمة، وهو ما دفع البشرية إلى إنشاء «قبو البذور العالمي» في أقاصي الجليد؛ فلم تضع الدول بذور الحياة في العراء، بل خبأتها في عمق الجبل المتجمد، لتكون خبيئة آمنة تضمن الولادة من جديد إن داهمت الأرض كارثة ما.
وهنا تمامًا ينسج الأثير خيطه الأخير ليعبر إلى أعماق النفس البشرية..
فما أدركه المعماري الفرعوني، وفيزيائي الكم، وبناة قبو البذور، هو ذاته ما صاغه ألكسندر دوماس في مشكاته النفسية: «لا تأتي كاملًا دائمًا، عليك أن تخبئ جزءًا منك لنفسك».
إن الإنسان الذي يستنزف كل ذراته في سكب ظاهري كامل، يغدو هشًّا بلا نواة. أما من يحفظ في أطواء روحه «خبيئة سرية»، ولا يمنح مفاتيحه كاملةً لأحد، فإنه ينشئ داخل قلبه «قبو بذور روحي».
وحين تتكالب الأيام، وتشطره أظافير الخطوب، وتتداعى أسواره الظاهرة كالأهرامات المنسية، تتنزل ألطاف الله الخفية في عمق تلك النواة المخبأة؛ فتمتص صدمة الكارثة، وتحدث في الروح قفزة كمومية إيمانية، فيولد من رحم الانهيار والمصائب إنسان جديد، أشد صلابة، وأنفذ بصيرة، وأكثر حكمة، وكأن الكسر لم يكن إلا إيذانًا ببعث أسمى.
@bshaleid



