في المقام الأول، ينبغي ألا نتذكر المرض بوصفه اسمًا طبيًا أو حالة صحية فحسب، بل أن نتذكر الإنسان الذي يقف خلفه؛ إنسانًا كان يملأ البيت حضورًا، ويحفظ أسماءنا وتفاصيلنا وحكاياتنا، ثم يبدأ شيئًا فشيئًا في فقدان قدرته على الاحتفاظ بها.
ولعل أقسى ما قد يواجهه مريض الزهايمر ليس نسيان الأشخاص والأماكن، وإنما شعوره أحيانًا بأنه لم يعد مفهومًا لمن حوله. قد يكرر السؤال ذاته، أو ينسى اسم شخص يحبه، أو يخطئ في معرفة المكان، أو يتصرف بطريقة تبدو للآخرين غريبة جدًا، لكنه في تلك اللحظة يحتاج إلى من يفهم أن ما يحدث ليس عنادًا ولا إهمالًا ولا رغبة في إثارة المتاعب، وإنما أثر لمرض يؤثر في وظائف الدماغ.
وهنا يأتي دور المجتمع؛ فمريض الزهايمر لا يحتاج إلى الشفقة بقدر ما يحتاج إلى الصبر. يحتاج إلى أن نتحدث معه باحترام، وأن نمنحه وقتًا أطول لاستيعاب الكلام، وأن نتجنب إحراجه حين ينسى، وألا نحوله أمام الآخرين إلى موضوع للضحك أو التعليق. يحتاج إلى مجتمع يرى الإنسان قبل المرض، ويحفظ له كرامته حتى في اللحظات التي تعجز فيها ذاكرته عن حفظ تفاصيل حياته.
كما أن معاناة الزهايمر لا تقع على المريض وحده؛ فخلف كل مريض غالبًا أسرة تعيش رحلة طويلة من القلق والتعب والمسؤولية. أفراد يراقبون التفاصيل الصغيرة، ويخافون على من يحبون، ويحاولون أن يوفروا لهم حياة أكثر أمانًا وسط تغيّرات لا يملكون إيقافها. ولذلك، فإن دعم المجتمع يجب أن يمتد إلى مقدمي الرعاية أيضًا، بالكلمة الطيبة والتفهم والمساندة، وعدم إصدار الأحكام بشأن تصرفاتهم.
في الأماكن العامة، قد نلتقي بشخص مصاب بالزهايمر دون أن نعرف ذلك. ربما يبدو مرتبكًا، أو يسأل عن شيء أكثر من مرة، أو لا يستطيع شرح ما يحتاج إليه. قليل من الهدوء، وكثير من الإنسانية، قد يصنعان فرقًا كبيرًا في تلك اللحظة.
وفي اليوم العالمي للزهايمر، ربما علينا أن نتوقف لبرهة، وندرك أن الذاكرة ليست ما يجعل الإنسان جديرًا بالحب والاحترام. فالإنسان أكبر من ذاكرته، وأعمق من قدرته على تذكر الأسماء والتواريخ والوجوه.
قد ينسى مريض الزهايمر اسمك، لكنه لا يفقد حاجته إلى ابتسامتك. وقد ينسى أنك زرته بالأمس، لكنه قد يشعر بالأمان حين يراك اليوم. وقد لا يتذكر الكلمات التي قلتها له، لكن حضورك الهادئ واهتمامك به قد يمنحانه شعورًا بالطمأنينة.
لذلك، فلنكن مجتمعًا يتذكر عنهم حين تخذلهم ذاكرتهم. لنتذكر أسماءهم وكرامتهم وحقهم في حياة آمنة، وحق أسرهم في الدعم، وحقهم جميعًا في أن يُعاملوا بالرحمة لا بالشفقة، وبالصبر لا بالضجر.
ومضة:
الإنسان الذي فقد بعضًا من ذاكرته، لم يفقد حقه في أن يشعر بالحب. وفي عالم يخشى فيه الجميع النسيان، أجمل ما يمكن أن نفعله هو أن نكون نحن الذاكرة الرحيمة لمن لم تعد ذاكرته تسعفه.
@al_muzahem



