تحت وسم «الخير» وعبارات «من فاعل خير»، تنتشر يومياً مئات الرسائل التي تستدرّ العاطفة وتستنزف الجيوب. والمشكلة ليست في فعل الخير، بل في غياب التحقق؛ إذ يصعب على المستخدم العادي التمييز بين من يمدّ يده عن حاجة حقيقية ومن يستغل التعاطف البشري لجمع المال بطرق احتيالية، وهكذا تذوب الحدود بين الصدقة والسرقة العاطفية.
فنتائج ذلك خطيرة.. فقد يتعرّض الناس للاحتيال المالي، وبالتالي تتراجع الثقة بالعمل الخيري نفسه، فينكمش فعل العطاء الصادق خوفاً من الوقوع في فخ النصب، ومع الوقت، تتلوث صورة المحتاج الحقيقي بسبب ممارسات المتسوّل الرقمي الذي يتقن التمثيل أكثر من الدعاء.
وهنا يبرز الدور المحوري للمنصات والجهات الحكومية، مثل منصة «إحسان» و»تبرع» وغيرها من المنصات الرسمية التي تنظّم العمل الخيري وتتحقق من الحالات وتضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها. فهي لا تحارب فعل الخير، بل تحميه من التلوث والفوضى. فالنية الطيبة لا تكفي وحدها؛ التنظيم والشفافية هما صمّام الأمان الذي يصون الصدقة من التلاعب ويعزز الثقة في البذل والعطاء.
فالمكان الأمثل لجمع التبرعات اليوم ليس خاصية الرد أو رابط مجهول في منصة من منصات التواصل الاجتماعي، بل المنصات الرسمية التي تخضع للرقابة والمساءلة، وتحفظ كرامة المحتاج كما تحفظ أموال المتبرع. فالعطاء النظيف لا يكون في الظل، بل في النور.
خلاصة القول: إن التسوّل الرقمي ليس مجرد ظاهرة إلكترونية، بل اختبار أخلاقي لعصر يعيش بين نيتين، نية صادقة تبغي الخير، وأخرى خفية تتقن الاحتيال بثوب الإنسانية. ويبقى التحدي الحقيقي في أن نحافظ على الأولى دون أن نمكّن الثانية.
[email protected]



