جميعنا نتعلّم يوميًا من تجاربنا؛ من الشخصيات التي نقابلها ونعمل معها، ومن المواقف التي نتعرض لها فتُدهشنا أحيانًا، وربما تُصيبنا في مواقف أخرى بالأسى، نعم، الأسى. ومن بين جميع تلك الدروس، يبرز درس أراه ركيزة نجاح أي عمل، وضمانةً لفهم أي فريق لمهامه الموكلة إليه، واستمرار العمل بسلاسة ووضوح دون هدر للجهود والأوقات والموارد، وهو التوجيه.
التوجيه ليس مجرد تعليمات تُلقى، ولا أوامر تُسجَّل في محاضر الاجتماعات، ولا تفاصيل ينبغي تنفيذها بحذافيرها. بل هو عملية إنسانية قبل أن يكون ممارسة إدارية فاعلة، هو قدرة القائد أو المسؤول على ترجمة الأهداف الكبيرة إلى فهم يومي عملي لدى الفريق. التوجيه هو تلك اللحظة التي تُرفع فيها الغشاوة عن مهمة غامضة، أو تُفتح فيها نافذة لفكرة جديدة تغيّر طريقة العمل بأكملها.
لقد رأيتُ بنفسي وفي الآخرين أيضًا، كيف يصنع التوجيه فرقًا بين فريق يعمل فقط لأنه «مطلوب منه أن يعمل»، وفريق يتحرك لأنه يعرف لماذا يعمل، وكيف سيؤثر جهده في الصورة الأكبر، الفارق بينهما كبير، وأثره أكبر مما نتصور، فالتوجيه الصحيح - في نظري- يغني عن الاجتماعات المطوّلة والرسائل المستمرة؛ إذ يلمّ شتات الأفكار، وينظم الفوضى العارمة، ويُوضح ماذا علينا أن ننفذ، وكيف ولماذا، وإذا استوعب الفرد ذلك كله، قلَّ الخطأ وارتفع معدل الإنتاجية بسرعة أكبر وبجهد أقل.
لذلك، أؤمن بأن التوجيه أحد أسرار النجاح، وفن لا يتقنه الكثير، أن تشرح، وتتابع، وتمكّن، وتستمع للتغذية الراجعة، أن تجعل معالم الطريق واضحة، أن تبلور أفكارك وترسم خارطة تطلعاتك ومستهدفاتك، كل ذلك صورة من صور الاستثمار في جودة العمل ذاته، وفي استدامته، وفي ثقة الفريق بنفسه قبل ثقته بقائده.
ثمار عدة تجنى، جهود كبيرة تصان، وأوقات تُرعى، تأتي نتيجة التوجيه السليم، فمن هنا دعونا نُعيد الاعتبار لهذا الفن، فن توجيه العقول قبل الأيدي، واستنهاض الحماسة قبل الخطط، فحين يتضح الطريق يولد الإنجاز من نفسه، وتغدو رحلة العمل أكثر وعيًا، وأعمق قيمة، وأقرب إلى النجاح المستدام.
[email protected]



