ذات مرة، ناقش مدير أحد الموظفين في أدائه السنوي، وأثنى على التزامه وإنجازاته قائلاً:
«أداؤك كان جيدًا هذا العام، لكن.. ماذا لو كنت أكثر مرونة في التعامل مع فريق العمل؟»
كانت الجملة تبدو موضوعية، بل وبنّاءة من وجهة نظر المدير، إلا أن وقعها على الموظف كان مختلفًا تمامًا ، توقّف ذهنه عند كلمة «لكن»، وتلاشت كل عبارات المدح التي سبقتها، شعر وكأن جهده طُمس بجملة واحدة، وكأن كل ما قدّمه لا يُذكر أمام ملاحظة واحدة سلبية.
هكذا تعمل هذه الكلمات « لكن، ماذا، لو»، كفرامل توقف المشاعر الإيجابية، وتحوّل الرسالة من تحفيز إلى تبريرٍ للإحباط. هي كلمات صغيرة، لكنها تحمل في طيّاتها معاني التشكيك والتقليل والافتراض، فتجعل المتلقي يشعر أنه «لم يكن كافيًا»، حتى وإن كان أداؤه مميزًا.
بين النقد البنّاء وهدم الثقة.
في ثقافة العمل الفعّالة، لا يُفترض أن يكون النقد تهديدًا، بل فرصة للتطوير ، وهنا تظهر أهمية نظرية الساندوتش في التقييم، وهي منهج يعتمد على ثلاث طبقات:
طبقة إيجابية تُبرز نقاط القوة والإنجازات.
طبقة وسطى تتضمن الملاحظات التطويرية.
طبقة ختامية تعيد التأكيد على الثقة بقدرات الموظف وتشجّعه على الاستمرار.
هذه المنهجية لا تتطلب مجاملة زائفة، بل توازناً نفسيًا يحافظ على الدافعية ويُشعر الموظف بقيمته، فالنقد بلا تقدير يُفقد أثره، والتقدير بلا تطوير يُفقد معناه.
لماذا نبدأ بالسلب؟ كثير من القادة يظنون أن البدء بالملاحظات السلبية هو نوع من «الشفافية»، غير مدركين أن الإنسان بطبعه يسمع السلب بحدة أكبر من الإيجاب ، وعندما تُمزج كلمات مثل «لكن» أو «ماذا لو» في سياق الحديث، يتحول التقييم من حوار تطويري إلى محاكمة مضمرة.
نحو لغة قيادية بنّاءة
إدارة الأداء لا تحتاج إلى «لكن» لتكون موضوعية، بل تحتاج إلى «وفي الوقت نفسه» أو «يمكننا أن نعزز أكثر»، لا تحتاج إلى «ماذا لو» التي تُفترض النقص، بل إلى «ما رأيك أن نجرب» التي تُشرك الموظف في الحل، اللغة القيادية الحقيقية تبني ولا تهدم، تُلهم ولا تجرح.
في النهاية، الكلمات ليست مجرد أدوات تواصل، بل وسائل تأثير نفسي تشكل بيئة العمل وتؤثر على انتماء الأفراد ، ومن هنا، يصبح استبعاد بعض المصطلحات كـ»لكن» و»ماذا لو»، ليس ترفًا لغويًا، بل قرارًا قياديًا واعيًا يحفظ كرامة الجهود، ويصون روح الفريق، ويحوّل التقييم من موقف دفاعي إلى مساحة نمو مشترك.
ففي إدارة الأداء، الكلمة قد ترفع إنسانًا أو تُسقط دافعه، والفرق كله في «لكن».
[email protected]



