في زمن السرعة الرقمية، تحوّل كثير من الكتّاب في الصفحات الفنية إلى مجرد ناقلين للأخبار، لا باحثين عن المعنى. صار همّ بعضهم أن يكون أول من ينشر، لا أول من يفهم. غاب التحليل الجاد، وحلّ محله «السبق» الذي كثيرًا ما يحرق جوهر العمل الفني قبل أن يصل إلى الجمهور.
من المؤسف أن نشاهد صفحات تتسابق لنشر تفاصيل مسلسلات جديدة قبل عرضها، فتُفرغ التجربة الدرامية من مفاجأتها وجمال انتظارها. هذا ما حدث في عدد من الأعمال الخليجية التي حملت جهودًا فنية حقيقية، أعمالٌ اجتمع فيها الإخلاص والإتقان والوعي الإخراجي، لكنها وُوجهت بمنشورات سطحية تكتفي بعدة أسطر تلخّص فكرة المسلسل دون أي تركيز على المضمون أو البناء الفني.
يتجاهل بعض الكتّاب ما هو أعمق: السيناريو، السيناريست، نوع الدراما، الإخراج، الموسيقى التصويرية، وأماكن التصوير. هذه العناصر ليست تفاصيل ثانوية كما يظن البعض، بل هي الروح التي تصنع هوية العمل وتمنحه الحياة. العمل الفني ليس «فكرة» فحسب، بل منظومة متكاملة من المشاعر والرؤية والتقنيات، لا يمكن اختزالها في منشور سريع أو تغريدة تبحث عن التفاعل.
ولأنني خضت تجربة الكتابة عن المسلسلات والأفلام، حاولت كثيرًا أن أجد قراءات نقدية تشبه ما أقدمه، أو تقترب من زاوية رؤيتي، لكنني -للأسف- لم أجد إلا القليل جدًا. ما زال النقد الفني لدينا أسير الانطباع، لا التحليل؛ أسير المجاملة، لا المواجهة. نكتب وكأننا نخشى أن نزعج أحدًا، أو نحزن فنانًا، متناسين أن النقد الصادق لا يهدم، بل يُنضج ويُصلح.
ومن زاوية أخرى، تتضاعف هذه المجاملات في المسلسلات التي تُعرض في شهر رمضان، حين يصبح الموسم الدرامي ساحة مفتوحة لكل أنواع الإنتاج، الجيد منها والعابر. أغلب ما يُعرض لا يحمل مضمونًا حقيقيًا أو فكرة اجتماعية ذات قيمة. تتكرر القصص نفسها، والأفكار نفسها، بل حتى الشخصيات تتبدل بالأسماء فقط.
تُقدَّم المشكلات الاجتماعية بسطحية، دون عمقٍ أو حلول، فقد نسي بعض الكتّاب والمخرجين رسالة الفن، تلك الرسالة التي وُجدت لتُعبّر عن الإنسان، وتناقش قضاياه، وتضيء واقعه لا لتغترب عنه. الفن الحقيقي لا يُستعار من بيئاتٍ بعيدة، ولا يُفبرك لأجل إثارة الجدل. الفن هو الصدق أولًا، والاقتراب من الناس ثانيًا، ثم القدرة على تحويل الواقع إلى رؤية جمالية تُحرّك الوعي وتفتح الأفق.
وإذا كان بعض الكتّاب يكتفون بالسطح، فإن بعض الفنانين – للأسف – لا يختلفون كثيرًا. هناك من يدخل العمل دون أن يقرأ النص كاملًا، أو يفهم سياقه الدرامي العام. يهمّه مشهده فقط، وعدد اللقطات التي يظهر فيها، لا تطور الشخصية أو عمقها. ولهذا نرى تفاوتًا في الأداء، وارتباكًا في الإيقاع، وكأن كل ممثل يعيش في مسلسلٍ مختلف.
الفن ليس مجرد ظهور أمام الكاميرا أو كتابة مقال عابر؛ الفن وعي ومسؤولية. حين يُغيب الكاتب القراءة، والممثل الفهم، والجمهور الصبر، تتحول الدراما إلى منتج سريع الاستهلاك، بلا روح ولا أثر.
إننا بحاجة إلى عودة النقد الواعي، إلى الأقلام التي تُنصت قبل أن تكتب، وتقرأ قبل أن تُصدر أحكامها. إلى صفحات فنية لا تبحث عن “السبق” بقدر ما تبحث عن “الصدق”. فالأعمال التي تُنجَز بجهد، تستحق أن تُقرأ بعمق، وتُناقش بعدل، وتُقدَّم للجمهور بما يليق بها من احترام.
الفن ليس مجرد صورة تُعرض على الشاشة أو كلمات تُنشر على الورق؛ الفن ضميرٌ حيّ يراقب المجتمع، يُعبر عن همومه، ويُقدّم رؤية تجعلنا نفهم أنفسنا والآخرين. عندما يغيب الوعي النقدي، ويُستبدل بالسطحية والمجاملات، تتحول الأعمال الفنية إلى سطحٍ بلا عمق، وإلى صوتٍ بلا رسالة.
[email protected]



