هذه القصة تختصر حال كثيرين في مجتمعاتنا اليوم، أولئك الذين جعلوا الخوف من الفشل سوراً يحاصر أحلامهم، وجعلوا من الكمال شرطاً لأي خطوة نحو الحياة.
الخوف من الفشل لا يقتل المحاولة فحسب، بل يقتل المعنى، يجعل الإنسان يعيش على ضفة الاحتمال دون أن يجرؤ على العبور. والمفارقة أن هذا الخوف لا يولد من الضعف دائماً، بل من التعلق المفرط بصورة الذات، من رغبتنا في أن نظهر مثاليين، ناجحين منذ المحاولة الأولى، بلا خطأ ولا سقوط، كأنّ الخطأ فضيحة لا تجربة.
لقد أقنعنا العالم الحديث أن النجاح هو الواجهة الوحيدة المقبولة، وأن الفشل عيب يجب إخفاؤه. في المدارس، نكافئ النتيجة ونتجاهل الجهد. في البيوت، نحتفل بالإنجاز ولا نحتفي بالمحاولة. وفي بيئةٍ كهذه، يصبح الخطأ جريمة لا خطوة في طريق التعلم. ومع كل جيل جديد، يزداد هذا الخوف تغلغلاً، فننشئ شباباً يملكون الموهبة ولا يملكون الجرأة، يكتبون أفكاراً رائعة في دفاترهم لكنهم لا ينشرونها، يبدعون في الخفاء ويعيشون في ظلّ خوفٍ من.. ماذا لو؟
الخوف من الفشل هو السجن الذي نصنعه بأنفسنا، قضبانه من آراء الآخرين، وسجّانه صوت داخلي لا يرحم. إنه خوف متخفٍ في ثوب الحكمة، يقول لك: «انتظر حتى تكون مستعداً أكثر»، «دع الأمر لوقتٍ أنسب»، «تحسّب لكل نتيجة قبل أن تبدأ». فيصدّك عن أول خطوة. لكن الحقيقة أن لا أحد يكون مستعداً تماماً، وأن الطريق لا يُكتشف إلا بالمشي عليه، وأنك حين تخاف من السقوط فأنت في الحقيقة تسقط قبل أن تبدأ.
الفشل ليس عدوّاً للنجاح كما نتوهم، بل هو بوابته الوحيدة. لا أحد وصل دون أن يتعثر، ولا فكرة عظيمة وُلدت مكتملة. كل نجاح هو سلسلة من الإخفاقات الصغيرة التي حملت في داخلها دروساً لا يعلّمها أي كتاب. والذين يخافون الفشل لا ينجون منه، لأنهم يعيشونه مسبقاً في خيالهم، يعيشون خيبة لم تحدث بعد، فيبقون في دائرة القلق دون خروج أو إنجاز.
في النهاية، تذكّر الفنان الذي مزّق لوحاته: لم يُذكر في التاريخ لأنه فشل، بل لأنه لم يمنح نفسه فرصة للفشل. ربما كانت إحدى لوحاته لتغيّر ذوق عصره، أو تخلّد اسمه، لكنه اختار الأمان على الاحتمال. لذلك إن كان فيك حلم، فارسمه ولو بيدٍ مرتجفة، واكتب ولو أخطأت، وابدأ ولو خفت. لأن الفشل الحقيقي ليس أن تخطئ، بل أن تبقى كما أنت، تتأمل القماشة البيضاء، وتخاف أن تلوّنها بالحياة.
[email protected]



