ما أبهى أن يكون دمي جسرا يعبر به غريبٌ من شاطئ الموت إلى ضفة الحياة.
التبرع بالدم ليس إبرة تخترق الوريد فقط، بل رسالة تُكتب بأحمر القلب وأطهر الحب.
في لحظة من لحظات الصدق حين يلتقي الإنسان بإنسانيته، يكتشف أنّ أعظم ما يملكه ليس المال ولا الجاه، بل هذا الدم الذي يجري في عروقه.
دمٌ وُهِب له من الخالق العظيم مجانا. يصبح أجمل ما يمكن أن يقدّمه للوطن، ولأرواحٍ تتأرجح بين الموت والحياة.
حين نعود بالذاكرة ليوم أعلن سمو ولي العهد «يحفظه الله» حملته للتبرع بالدم، لم يكن يقدّم مجرد مبادرة صحية، بل كان يوقظ فينا معنى المشاركة الحقيقية:
أن نكون شركاء في صناعة الحياة. وكأن صوته يقول لنا: «امنحوا دمكم، تنقذوا وطنا يسكن كل مريض، وتُعيدوا الحياة إلى عيون تنتظر معجزة».
هو عقد أخوّة غير مكتوب بين إنسان وآخر لا يعرف اسمه ولا ملامحه، لكنه يعرف أنه يستحق الحياة.
في وطنٍ يُعلّمنا قادته أنّ التضحية ليست فقط في ميادين الحرب، بل أيضا في ردهات المستشفيات، يصبح التبرع بالدم فعلا وطنيا بامتياز.
هو أن تقول: «أنا هنا»، ليس بشعارٍ ولا بخطبة، بل بقطرة حياةٍ تهديها للآخر.
وكيف لا نستجيب لنداءٍ نبيل يرفع قيم الإنسانية إلى أعلى؟
دماؤنا ليست ملكا لنا وحدنا، إنما هي ميراث للوطن ولأبنائه، تُنقذ طفلاً ينتظر جراحة، وأمًا تُصارع المرض، ورجلًا يعود من الموت مبتسما.
ليست كل الهدايا تُشترى، فبعضها أغلى من الذهب، وأثمن من العمر نفسه: قطرة دم تهديها فتُحيي بها قلوبا وتبني بها وطنا أقوى.
فكل تبرعٍ بالدم هو وعدٌ بالحياة، وبصمةُ وفاءٍ لوطنٍ نبضُه في عروقنا، نمنحه منّا ليبقى نابضًا بالعطاء.
[email protected]



