في فترات سكونه، يبني هندسة غير مرئية وحين ينظر العالم إلى كسلِه كعلامة فشل، يكون قد أنهى رسم دائرة معقدة تربط بين الرياضيات، والموسيقى، ومعنى الوجود. لا يلتزم بالقواعد.. لأنه يراها ضيقة على اتساع أفكاره.
في أعماقه، يعرف أن الركض الجماعي ليس طريقاً للخلود، بل للضياع المنظم بينما الكسول العبقري، هو الذي لا يصنع الكثير، لكنه إذا صنع... غيّر كل شيء..!
تماماً كما تفعل الشُهب: لا تظهر إلا نادراً، لكنها حين تظهر، تُبدّد العتمة وتمنح الأمل لمن يراقب السماء.
هو لا يُجيد المواعيد ولا يُتقن كتابة السِيَر الذاتية ويكره المصاعد ويفضّل السلالم إن اضطر ولا يرفع صوته في الاجتماعات، لكن حين يتكلم.. يسكت الوقت، لأنه لا يتحدث بلسانٍ عادي، بل بلسان فكرةٍ أُعدَّت على نار الكسل الهادئ، هو لا يلهث، بل ينتظر أن تلهث الفكرة نحوه.
كل عبقريته تنبع من ازدرائه للزيف لهذا ينسحب من المحافل لأنه يرى فيها ضجيجاً يُعطّل تفكيره ، هو يعرف أن الفكر العميق لا يُولد تحت إضاءة الساحات، بل في عتمة الغرف ويعرف أن من يكتب كثيراً قد لا يقول شيئاً ، أما هو.. فكلمة واحدة منه كفيلة بإرباك فلسفة كاملة.
الكسول العبقري لا يحاول إثبات شيء. لا يبتسم ليُرضي أحداً ، ولا يتكلف التحفيز الذاتي وهو الصمت حين يُصبح فكراً، والسكون حين يُصبح اختراقاً وهو الذي يخلد إلى سريره عند الظهيرة ليصغي إلى تلك الفكرة الخجولة التي لا تظهر إلا حين يصمت كل شيء.
هو عارٍ من الطموح الكلاسيكي، ولا يرى نفسه موظفاً في آلة الإنجاز، هو يشبه العرافين القدماء، الذين يعرفون متى يتكلمون، ومتى يرمقون السماء، ومتى يغلقون أبوابهم لأيام دون أن يفسروا سبب الغياب.
ربما تسأل: لكنه كسول! نعم.. لأنه اختار ألا يُهدر جهده في المعارك التافهة، وهو لا يعمل كثيراً ، لأنه يعمل حين يجب أن يعمل، لا حين يُقال له أن يعمل و لا يُنجز يومياً لأنه يصنع إنجازاً يكفي لعشرة أعوام.
الناس تخشى الكسل لأنهم يظنونه خمولاً، بينما هو في حقيقته... صمت ما قبل الانفجار.الكسول العبقري لا يحتاج أن يتدرب على الانضباط، لأنه خلق نظاماً خاصاً به لا تفهمه الجداول.
ولعل العالم مدين اليوم لأمثاله. أولئك الذين لم يحرصوا على الوصول باكراً، لكنهم حين وصلوا... قلبوا الطاولة..!
أولئك الذين بدوا هامشيين في يومٍ ما، لكن التاريخ حين أعاد سرد الحكاية.. وضعهم في المنتصف.
هكذا يبقى الكسول العبقري كائناً أفلاطونياً، لا يخضع للقوانين الأرضية. يشبه فكرةً سقطت من السماء إلى أرضٍ عاجزة عن فهمها. لا يحكمه الوقت، بل المعنى. لا يطارده النجاح، بل تهمس له العبقرية من بعيد: خذ وقتك.. العالم سيحتاجك حين يُرهق من صراخه..!



