ومنذ القدم، شُبّه العقل بالجسد؛ فكلاهما يحتاج إلى التدريب حتى يحافظ على قوته ومرونته، ولا يتعلق التحدي بكثرة المعلومات التي يتلقاها الإنسان فحسب، بل بجودة ما يتلقاه وطريقة تفاعله معه. فالعقل الذي يعتاد الإجابات السريعة، والترفيه المتواصل، والمتعة الفورية، قد يصبح أقل صبرًا على التأمل والتحليل والتفكير المتأني.
إن أحد التحديات التي تفرضها وسائل الترفيه الحديثة لا يتعلق بضياع الوقت فحسب، بل بما قد تتركه كثافة المحتوى السريع من أثر في عادات الانتباه والتفكير. فالتنقل المستمر بين الصور والمقاطع والأفكار قد يجعل التركيز على كتاب لمدة ساعة، أو التأمل في قضية واحدة، أكثر صعوبة لدى البعض. وهكذا قد يتراجع الانتباه تدريجيًا دون أن نلاحظ، كما تضعف العضلات عندما تقل الحركة.
وليس المقصود أن يمتنع الإنسان عن الترفيه؛ فالراحة حاجة إنسانية، والمتعة جزء من توازن الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الترفيه هو المصدر الأساسي لما يستهلكه العقل، بينما تتحول القراءة والتفكير والحوار العميق إلى أنشطة نادرة يصعب ممارستها. عندها قد يفقد العقل شيئًا من مرونته، ويصبح أقل صبرًا على التفكير النقدي وتكوين الرأي باستقلالية.
العقول التي تصنع أثرًا لا تُبنى بكثرة ما شاهدت فقط، وإنما بما تأملت وقرأت، وبقدر ما طرحت من تساؤلات وتعلمت. ولم تُعرف الحضارات بما استهلكته من وسائل المتعة فحسب، بل بما أنتجته من أفكار وأسئلة وكتب واكتشافات. فالإنسان الذي يمنح عقله تحديات يومية، ويقرأ ما يختلف عن قناعاته، ويتأمل قبل أن يحكم، يحافظ على لياقته الذهنية، كما يحافظ الرياضي على لياقته البدنية.
إن اللياقة الذهنية ليست موهبة يولد بها الإنسان، بل عادة يمكن اكتسابها وتنميتها، وتبدأ من اختيار ما نسمح له بالدخول إلى عقولنا؛ فكثير مما نستهلكه من أفكار ومعلومات قد يترك أثرًا، والعادات الذهنية التي تتكرر تسهم في تشكيل طريقة تفكيرنا. وما نغذي به عقولنا اليوم قد ينعكس على قراراتنا، وعلى قدرتنا على التعامل مع تفاصيل الحياة غدًا.
ولعل ما ينبغي أن نتساءل عنه في نهاية كل يوم هو: كم ساعة قضينا أمام الشاشات؟ وماذا أضفنا اليوم إلى عقولنا مما يجعلها أكثر عمقًا واتزانًا وقدرة على فهم العالم؟
ومضة:
تفكيرك الهادئ يصنع قراراتك الصحيحة في الأيام الصعبة.
@al_muzahem



