فالحقيقة التي صنعها الرئيس دونالد ترامب بتصريحه عقب الضربة مباشرة بإنهاء القدرات النووية الإيرانية بالكامل في مواقع فوردو ونطنز وأصفهان جراء الضربة الناجحة للطيارين الأمريكيين وتناقلها الناس حول العالم، زعزعتها تقارير نشرتها «سي إن إن» ونيويورك تايمز، بعدها بأيام نقلا عن تقييم استخباراتي أولي خلص إلى أن الضربات لم تُدمر المكونات الأساسية للبرنامج النووي الإيراني، بل من المرجح أن تؤدي إلى تأخيره بضعة أشهر فقط.
وهو ما أغضب الرئيس ترمب ليدعو عبر حسابه في منصة تروث إلى طرد مراسلة شبكة «سي إن إن» ناتاشا برتراند التي كانت أول من نقل على الهواء تقييم التقرير الاستخباراتي.. هذا المشهد الذي تبدو فيه الحقيقة، عن حجم الدمار الذي لحق بقدرات إيران النووية، أشبه بطريدة، روضها وسيطر عليها بادىء الأمر ترمب كمصدر وحيد للخبر، قبل أن تحاول «سي إن إن» ونيويورك تايمز اختطافها، وانتهاءاً بتوبيخ ترمب للصحافية والمطالبة بطردها، هي تجسيد لنظرية نموذج الدعاية الذي طوّره إدوارد إس.هيرمان ونعوم تشومسكي عام 1988، ويشرح كيف أن خمسة فلاتر تمر عبرها المعلومات والأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام، وتصنع الحقيقة التي يريدها أهلها لا الحقيقة كما هي، ومن بين هذه الفلاتر في حالتنا، مصدر الخبر المحتكر، والتقريع والأذى الذي قد يلحق بالصحافي الذي يحاول بمهنية تفنيد الخبر الذي أذاعته الجهة الرسمية.
قد تكون رواية ترامب هي الحقيقة إذ لم يعد لإيران أي قدرات نووية، وقد تكون الرواية المناهضة التي نقلتها وسائل الإعلام هي الأصح، وقد تكون الروايتان مجانبتين للصواب كما سيتكشف في الأسابيع أو الأشهر أو السنوات المقبلة.
وفي كل الأحوال ستبقى الحقيقة التي تنقلها وسائل الإعلام وتستهلكها الجماهير وتشكل وعيها معرضة للتأثير بمثل هذه العوامل التي أضافت إليها النظرية، ملكية الوسط، وسلطة المعلن في وسيلة الإعلام، والعدو الإيدلوجي.
لم تكن حادثة الضربة الأمريكية لإيران هي المثال الوحيد المناسب للتحليل الإعلامي واستخلاص الدلالات الاحصائية، إذ إن المعلومات المتضاربة والغريبة طوال حرب الـ12 يوم بين اسرائيل وإيران مادة دسمة للباحثين.
[email protected]



