الظل، ذلك الشيء الذي أهمله البعض، فلم يضع له وزنا ولا قدرا. والمتأمّل يرى له ظهوراً أنيقاً ورقيقاً في الشعر، والنثر، والرسم، يضفي لمسة لطيفة على لوحة رسمها فنان ماهر، ينقل المشهد من خلال خلق وهم ثلاثي الأبعاد، على سطح ثنائي، مما يضفي الحيوية والواقعية، مستغلا مبدأ العمق لإبراز ملامح الصورة وتفاصيلها، لجذب نظر المشاهد وشد انتباهه، نحو جو درامي يشعره بمزاجيته، أو شاعر بليغ حاكه في الشعر كرمز وطوعه كاستعارة؛ ليرسم المشهد في مخيلتك وكأنك تراه، كما أنه يمثل في الفلسفة وفقا لنظرية المفكر السويسري كارل يونغ، المنطقة المحرمة في دواخلنا، وجانبنا الخفي، حاملا في طياته جزء من شخصياتنا التي حررها المجتمع، وأملى عليها المقبول من عدمه، ممزوجة بزخم من أفكارنا ومشاعرنا التي ننكرها أو نتجاهلها إرضاء له. ظلالك الرمادية وصفها الفيلسوف الألماني غوته؛ بأنها تساعدك على مشاهدة الحقيقة وتميز الوهم، فتلك منطقة تتجلى بين الخلود والموت، بين الوجود والعدم، فلا أنت في الرقعة البيضاء ولا السوداء في لعبة الشطرنج.
هل علمت الآن أن للظل كيان في هذا الكون؟ وقد خصه الله بالذكر في آياته «وللَّه يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال» -الرعد: 15-. ويرمز في كتاب الله إلى السكينة والاستقرار «رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير» -القصص:24-، فحينما أراد موسى عليه السلام أن يناجي ربه بعد أن سقى للفتاتين واستكن تحت الفيء، بث منه إلى ربه، وهو في بوتقته شاكيا وحدته وقلة حيلته، فأبدل الله حاله من الهروب إلى الاستقرار والسكنى بزوجة تصاحبه مسيرة الحياة.
لتعد بالزمن قليلا ولتتذكر بأن أول صورة التقطت لك كانت عبارة عن ظلال عندما كنت جنينا، انظر لتلك القصاصة الصغيرة التي تحمل صورة دافئة، تغرقك في مشاعر لطيفة، وترسم على محياك أجمل الابتسامات بدون أَلوان قوس قزحٍ السبعة.
تمتع بمرونة الظل الذي يتفوق على ما سواه، فهو قادر على التغير طولا حسب زاوية الشمس بالنسبة للأرض فهو يبلغ الضعف صباحا وقبيل الغروب، أو المثل عصرا، أو الأقل ظهرا، أو العدم منتصف النهار، وإياك أن تخشى مخاوفك تلك التي تشبه ظلال الشتاء الطويلة، ولا تستلم لرهيف طيش رغباتك، التي لا يتعدى مدى الاستمتاع بها طول ظلال الصيف القصيرة.
الظلال ماهي إلا منطقة تخفي فيها بعضك، فبها جبهات تتصارع لترجح إحدى كفتي النزاع؛ جبهتان تمثلان ذاتك العليا بسموَها، وذاتك السفلى بشهواتها، وجبهتان أخريان تمثلان ذاتك وذوات الآخرين، إذ تركنان في ظلالنا مخلفتان رؤية ضبابية، ومشهدا مشوها يتطلب الحكمة وتهذيب النفس، لتحقق ما يرضيك تجاه نفسك، ويذيقك رشفا هانئا من كأس السعادة.
[email protected]



