لم يكن أحد يعرف على وجه اليقين من أول من قرع الجرس، أو لماذا اختير السابعة صباحًا تحديدًا. لكنه صار عادة متوارثة، لا يجرؤ أحد على نسيانها أو التشكيك في ضرورتها. ومع مرور السنين، صار صوته يوقظ النائمين، ويفتح النوافذ، ويعلن بداية الخَبز في الأفران، وجريان الماء في الحقول، وحتى استيقاظ الأطفال إلى مدارسهم.
وذات صباح، وفي حادثة لم يكن لها تفسير، لم يُدقّ الجرس. لم يكن هناك عطل ظاهر، ولم يمرض المسؤول عنه. لكنه ببساطة.. لم يُدق.
مرّت الدقائق، ثم الساعة، والقرية في صمت مربك. لم يخرج أحد من منزله. بعضهم فتح ستائره بتردد، آخرون تفقدوا ساعاتهم بتوتر. هل تأخر الجرس؟ هل تغيّر التوقيت؟ هل نسي الجميع؟
ومع كل لحظة صمت، كانت الفوضى تنمو... لا فوضى صاخبة، بل تلك اللا مرئية، التي تشبه اختلالًا داخليًا لا يمكن تسميته.
بحلول الظهيرة، لم يعمل السوق، ولم تُفتح المدرسة، ولم تُزرع الحقول. كأن القرية بأكملها كانت تنتظر أحدًا ليقول لهم: «ابدأوا». لكن لم يفعل أحد. لقد نسوا كيف يُديرون وقتهم دون ذلك الإيقاع الصغير.
نسوا كيف يبدأ اليوم حين لا يأتيه صوت الجرس.
هذه الحكاية الرمزية، رغم بساطتها، تشبهنا بشكل مدهش. نحن، أيضًا، نعلّق حياتنا على تفاصيل صغيرة، لا ندرك أهميتها إلا حين تغيب. نعيش ضمن إيقاعات دقيقة: صوت المنبّه، فنجان القهوة، الطريق المعتاد، التحية الصباحية، الكلمات التي نكررها دون تفكير.. كلها طقوس بسيطة، لكنها تمنح يومنا شكله وهويته وتوازننا.
في كلٍّ منا «جرس» داخلي، يشبه ذلك الذي نُسي أن يُقرع في القرية. أحيانًا يكون صوت أم تُوقظ أبناءها بكلمة دافئة، أو مشهدًا صغيرًا من شباك البيت، أو لحظة صمت نصنعها عمدًا قبل أن نغرق في المهام. حين نُهمش هذه الطقوس، تبدأ الفوضى الصامتة: تفقد أيامنا تسلسلها، وتغدو الحياة سلسلة من المهمات المتراكمة بلا روح.
وقد يبدو الأمر تافهًا. «ما المشكلة إن لم أشرب قهوتي اليوم؟» أو «ما الضرر في إلغاء نزهة صغيرة كنت أداوم عليها كل أسبوع؟». لكن الحقيقة أن هذه الطقوس الصغيرة، مثل دقات الجرس، ليست ترفًا. إنها الحبال التي نتمسك بها وسط ضجيج الأيام. كل مرة نُهملها، نرتخي قليلًا. حتى نجد أنفسنا في منتصف اليوم، أو العمر، لا نعرف من أين نبدأ.
الأمر لا يتعلّق بالعادة ذاتها، بل بما تُمثّله. الجرس في القرية لم يكن مقدسًا لأنه «جرس»، بل لأنه كان رمزًا للنظام، وللاتفاق الجمعي على بدء الحياة. ونحن أيضًا، حين نخسر طقوسنا، نخسر معها حسّ البدايات. نخسر المعنى.
ولعلّ في زمننا الحالي، حيث كل شيء سريع، ومتغيّر، ومليء بالضوضاء، يصبح التمسك بالعادات الصغيرة أداة مقاومة. أن تلتزم بوقت نومك، أن تكتب لنفسك سطرًا كل ليلة، أن تتناول فطورك في صمت، أن ترد السلام على من تحب بنفس اللهفة.. كل ذلك ليس تفصيلًا. إنه تذكير يومي بأنك ما زلت ممسكًا بخيوط حياتك.
إذا نسيت أن تبدأ يومك بطريقتك المعتادة، اسأل نفسك: ما الذي أحتاجه لأتحرّك؟ هل سأنتظر أحدًا ليحفّزني؟ أم أقدر على أن أبدأ بنفسي؟
أحيانًا، كل ما تحتاجه هو خطوة بسيطة.. تبدأ بها، حتى لو لم يلاحظها أحد غيرك.



