كلمة طيبة تقال في بداية الصباح، رسالة عابرة من شخص نحبه، فنجان قهوة جاء في وقته تمامًا، أو رائحة عطر مألوف تعيدنا فجأة إلى ذكرى دافئة، هذه التفاصيل لا تحدث ضجة، لكنها تعرف طريقها جيدًا إلى القلب، هي لا تعلن عن نفسها، لكنها تترك شعورًا خفيفًا كنسمة، تجعلنا نبتسم دون سبب واضح، وتعيد ترتيب مزاجنا دون أن ننتبه.
الأيام المزدحمة بالمواعيد والمسؤوليات، يمكن أن تصبح أخف حين تأتي لفتة بسيطة من شخص عزيز، كأن يسألنا أحدهم: «كيف كان يومك؟» بنية صافية، أو أن تفاجأ باهتمام لم تطلبه، ووجود لم تنتظره، لكنه حضر بلطفٍ كأنما سمع قلبك دون أن تتكلم.
أحيانًا، تكفي لحظة صمت مع النفس، نظرة طويلة في المرآة، أو صوت الأذان يتسلل وسط ضجيج الزحام، ليعيد لنا طمأنينة لم نكن نعلم أننا فقدناها، في زحمة الحياة نتعلم أن لا شيء صغير فعلاً كل ما يجعلنا نشعر أن هذا اليوم أخف من سابقه هو شيء يستحق الامتنان.
حتى ضغوط العمل، وتحديات الأيام التي تنهكنا، تخف وطأتها حين نتلقى لفتة بسيطة، كلمة دعم، أو حتى ابتسامة عابرة من عيون صادقة، الأشياء الصغيرة تشبه إشارات ضوء في طريق مظلم، ترشدنا، تطمئننا، وتذكرنا أننا لسنا وحدنا في هذه الرحلة، فلا نستهين بكلمة نقولها، ولا برسالة نرسلها، ولا بلحظة نفرغ فيها قلوبنا لنستمع بصدق.
ما نعتبره تفصيلًا عابرًا قد يكون بالنسبة لغيرنا لحظة نجاة، فربما كانت الكلمة التي قلتها مجاملة، لكنها بالنسبة لصاحبها كانت دفعه للثبات، وربما كان وجودك الصامت الذي لم تنتبه له، هو ما أعاد الطمأنينة لقلب شخص شعر بالوحدة.
هناك شيء مدهش في هذه اللحظات العفوية: هي لا تخطط، ولا تكرر، لكنها تحدث دومًا في وقتها المناسب، وكأن الله أرسلها في وقتها، نظرة حانية من غريب في الشارع، طفل يلوح لك بلا سبب، أو حتى لحظة دفء حين تفتح نافذتك وتشعر بنسمة باردة تلامس وجهك، كلها رسائل خفية بأنك على ما يرام، وأن الحياة رغم كل شيء، لا تزال تحتفظ ببعض الجمال.
ولأننا غالبًا ما نركض خلف الأحلام الكبيرة وننسى تفاصيل الرحلة، فإن تذكر هذه اللمسات الصغيرة هو ما يعيدنا إلى أنفسنا، هو ما يبطئ الخطى قليلًا، ويمنحنا فرصة أن نعيش اللحظة بدلًا من أن نمر بها مرور العابرين.
الأشياء الصغيرة هي الحياة كما يجب أن تكون: هادئة، صادقة، ومتوارية في الزوايا التي لا يلتفت لها الكثير لكنها تصنع كل الفرق لمن يتأمل.
[email protected]



