أفكر معكم وأنا جزء منكم، أحيانًا لا نطرح الظواهر لنجد حلًا جذريًا لها؛ بل لنمعن النظر فيها، ونضع نصب أعيننا أبعادها المختلفة وتأثيراتها المتعددة، نحن اليوم متصلون أكثر من أي وقت مضى، نحن اليوم بارعون في الالتقاط، ومبدعون في السرد، نجيد مفاتيح التوثيق، ونتقن فنون المشاركة التي غَدت سلوكًا متجذرًا لا تكتمل أيامنا من دونه، يشبعنا عاطفيًا ويعزز حضورنا افتراضيًا، ويشعرنا بالانتماء لهذا العالم الافتراضي، والرضا لكوننا جزءًا فاعلًا في هذا المشهد الرقمي.
وفي خضم هذا كله، تتسلل الأسئلة: لماذا نشارك بهذا القدر؟ هل نبحث عن التفاعل؟ عن الإعجاب؟ عن التقدير؟ عن تأكيد الذات؟ أم أننا ببساطة نطلب القرب، نلوّح للآخرين بأننا هنا؟ أم أننا باختصار، اعتدنا الأمر وسرنا مع الموجة، نشارك لأن الجميع يشارك، ونتجه حيث يتجه الآخرون؟، قد تتعدد الدوافع وتختلف النوايا، لكن الثابت أن المشاركة أصبحت وسيلتنا لتشكيل ذواتنا، ولنسج حكاياتنا كما نريد أن تُروى، لا كما حدثت بالضبط، نخفي فصول عديدة، وتفاصيل دقيقة، وأجزاء فضّلنا ألا تظهر؛ خشية أن تمس صورتنا التي شكلناها بعناية لأنفسنا بهذا الفضاء الواسع.
نعم، لكل منا صورة رقمية، تتبلور بمشاركاتنا، تترسخ بتفاعلاتنا، وتتلون بأفكارنا المختلفة، نحن اليوم نشارك بفعالية، والمشاركة بكل أشكالها المتنوعة باتت لغة العصر، وصارت الخيط الرفيع الذي نحوك به تفاصيل صورتنا الرقمية، كل صورة ننشرها، وكل جملة نكتبها، وكل لحظة نختار أن نُظهرها، تترك أثرًا لا يُمحى في هذا الامتداد الافتراضي. نحن لا نكتفي بأن نعيش الحدث، بل نمنحه حياة ثانية عبر المشاركة، حياة تُقرأ وتُفسَّر وتُختزن، ليس كما حدثت، بل كما ظهرت. وهكذا، تُبنى صورتنا الرقمية طبقة بعد طبقة، حتى تصبح كيانًا موازيًا، يُعرّفنا للآخرين، ويُشكّل انطباعهم الأول وربما الأخير عنا، لم نعد نُرى فقط من خلال حضورنا الحقيقي، بل من خلال ما نشارك، وما نُخفي، وما نُعيد ترتيبه ليصبح جديرًا بالعرض والمشاركة.
أفكر معكم، وأترك المساحة رحبة، لعلّ في هذا التأمل بداية لفهم أعمق، يقودنا إلى وعي أكبر، وعيشٍ أصدق، في زمن لا يكفّ عن التغيّر، وفي عالمٍ بات فيه كل شيء قابلًا للمشاركة حتى أفكارنا التي لم تنضج بعد، وأحلامنا التي لم يحن أوان حصادها.
[email protected]



