نحن، أبناء الجيل القديم كنا نعيش في زمن واضح الملامح. لم تكن الحياة سهلة، لكن الطريق فيها كان مستقيمًا، يعرف الواحد منا إلى أين يتجه، ومتى يتوقف، ومتى يبدأ من جديد. أما اليوم، فالمقاييس تبدّلت، والاتجاهات تعددت، وأصبح من الصعب علينا نحن الذين كنا نُحسب على المستقرين أن نفهم منطق الحياة الجديدة.
جيل اليوم وُلد في زمن الانفتاح التكنولوجي، نشأ على ثقافة الخيارات المتعددة، وكل شيء فيه قابل للتغيير: التخصص، الوظيفة، حتى القيم أحيانًا. هذا الجيل لديه فرصٌ لم نحلم بها، ولكنه بالمقابل يعاني من أسئلة لم نكن نعرفها.
لم نكن نعرف شيئًا اسمه "قلق الظهور" ولا كنا نعاني من ضغط المقارنات اللحظية التي تصنعها وسائل التواصل. كان الطريق أطول، نعم، لكنه كان أوضح.
جيلنا كان يعرف ترتيب الحياة: دراسة، وظيفة، زواج، أبناء، تقاعد. لم نكن نملك رفاهية التجريب أو التنقل. العمل كان مصدر كرامة لا مصدر شغف. لم نسأل يومًا: "هل أحب ما أفعل؟"، بل كنا نرضى ونُجيد، ونعدّ أنفسنا محظوظين إن وجدنا عملًا نأمن فيه على عائلاتنا. أما اليوم، فالوظيفة صارت محطّة مؤقتة، والنجاح صار يُقاس بعدد المتابعين أو سرعة الوصول، لا بثبات الخطى.
ليس نقدًا، ولا حنينًا إلى الماضي، لكنها ملاحظة لا يمكن إنكارها: لقد تغيّرت المقاييس.
جيل اليوم يُطالب بتحقيق الذات، والعيش بشغف، والنجاح في سن العشرين، وكأن الحياة سباق لا يُحتمل فيه التباطؤ. ومع هذا، تجد القلق أكثر، والرضا أقل، رغم وفرة الموارد والفرص.
هل هذا يعني أن جيلنا كان محظوظًا أكثر؟ ربما لا. نحن حُرمنا من بعض الحريات التي يمتلكها جيل اليوم، من القدرة على التغيير والتعبير والتجريب. لكننا في المقابل كنا أكثر اتساقًا مع أنفسنا. لم نكن نعيش في صراع دائم مع “الصورة”، ولم نُطالَب طوال الوقت بأن نكون مثاليين أو ناجحين أو مميزين.
ومع هذا، لا أظن أن الإنصاف يكمن في المقارنة الصارمة. فكل جيل يحمل همومه على قدر زمانه.
القديم فيه سكينة، والجديد فيه سرعة. القديم فيه ترابط، والجديد فيه تواصل.
نحن نأتي من زمن فيه دفء العلاقات، وهم يعيشون زمنًا فيه كثرة العلاقات وقلة العمق.
لست أكتب هذا المقال لأُحاكم أحدًا، بل لأتأمل كيف تغيّرت المعايير، وأين نقف نحن ـ أبناء الأمس ـ في خضم هذا التغيّر. ولعل الجواب ليس أن هذا الجيل محظوظ أو ضائع، بل هو ببساطة جيل مختلف، يعيش في عالم مختلف، بلغته وقيمه وأحلامه وتحدياته.
لكن ما نحتاجه ـ نحن وهم ـ هو الجسر. الجسر الذي يربط بين الوضوح القديم والتنوع الجديد. بين حكمة التجربة، وجرأة الاكتشاف. بين الماضي الذي يحمل جذورنا، والحاضر الذي يصوغ مستقبلهم.
وربما، في لحظة صفاء، نكتشف أننا لسنا جيلين متباعدين كما نعتقد، بل روايتين مختلفتين لذات القصة الإنسانية: البحث عن المعنى وسط ضجيج الحياة.


