«أبي، قبل أن يموت بعشر سنوات، أوصى بأن تُسلّم جثته بعد الوفاة إلى الجامعة. أراد أن تكون موضع دراسة. أراد أن يبقى نافعا حتى بعد أن يُغادر الحياة.»
قلت له: هذا جميل: رجل يفكّر حتى بعد الموت برغم أن ديننا يوصي بأن يتم دفن الميت.
هزّ رأسه وقال: «لكن الجثة... ضاعت!» ظننتها نكتة. لكنه لم يضحك.
الجثة فعلا لم تصل للجامعة، ولا لمستشفى، ولا لمختبر، ولا إلى أي مكان يُفترض أن تذهب إليه... ضاعت!!
تخيلوا!!
يُمكن أن تفقد محفظتك. مفتاح سيارتك، ورقة مهمة، وحتى وثيقة زواجك.. لكن أن تفقد جثة؟! مستحيل!!!
أين تذهب الجثث حين تضيع؟
سؤال لا يُطرح كل يوم، ولا أحد يريد أن يطرحه، ولا أحد لديه إجابة وافية له.
لكنها ضاعت.
وبقي الابن، كلما فكر في الأمر، يشعر أن هناك شيئا ناقصا.. شيء ناقص في الحكاية، وفي الوداع، وفي الخاتمة، وفي الحياة كلها!!
حين يموت الأب في الغرب، يبحث الأبناء عن قبر، عن شاهد، عن مكان يذهبون إليه ليضعوا وردة، أو ليصمتوا أمامه.. لكن ألا يكون هناك شيء؟ لا تابوت، لا دفن، لا عزاء... فقط ورقة تقول: “نأسف، لم نجد الجثة”.
كأن الحياة لعبت لعبتها الأخيرة.
قلت لصديقي: «ربما هي إرادة الله.. أراد له أن يبقى لغزا حتى في موته.»
قال: «ربما... لكن أمنيته كانت أن يُفيد الناس بعد وفاته. والآن لا هو أفاد، ولا نحن ودّعناه كما يجب»
جثة ضاعت!!
والحكاية لا تزال حيّة..
ولعلها أبلغ من ألف جثة محفوظة في برادات العلم.
[email protected]



