في الأوساط الأكاديمية والإبداعية، يُنظر إلى التأجيل غالبًا على أنه عدوّ الإنتاجية، سبب للفشل، وذريعة دائمة للندم. لكن ما لا يُقال كثيرًا هو أن بعضًا من أجود النصوص، وأذكى الأفكار، وأروع العروض التقديمية، وُلدت تحت وطأة الاستعجال. ليس لأن أصحابها لم يكونوا قادرين على إنجازها مبكرًا، بل لأن التأخير سمح لها أن تنضج في الظل.
التأجيل هنا ليس بالضرورة كسلًا، بل قد يكون شكلاً من أشكال المعالجة اللاواعية. فالكاتب الذي يُطلب منه مقال بعد أسبوع، قد لا يكتب كلمة واحدة طوال الأيام الستة الأولى، لكنه يتأمل الفكرة، يلاحظ العالم من حوله بطريقة مختلفة، ويختزن جملاً متناثرة، وعبارات سريعة، وتجارب مرّت أمامه عابرًا. ثم، وفي اليوم السابع، تجتمع كل تلك العناصر في لحظة واحدة، ويبدأ تدفّق النص كما لو أنه كُتب دفعة واحدة. والحق أنه كان يُكتب على مهل، في العقل، طوال الوقت.
ربما في التأجيل حكمة لا نفهمها تمامًا. فالأفكار لا تستجيب دائمًا للمواعيد، ولا تتحرك بالأمر المباشر. إنها بحاجة لشيء من العبث، لشيء من القلق، لتشعر أنها مطاردة، فتبدأ في الظهور. العقل حين يُترك وحده، دون قيد الزمن، قد يتراخى. لكنه حين يُضغط، يستنفر قدراته في توليد المفاجآت. وهذا ليس تبريرًا للتقصير، بقدر ما هو تأمّل في طبيعة العمل الإبداعي، حيث لا يكون الوقت هو العامل الوحيد في المعادلة.
المفارقة أن المؤسسات الحديثة تطارد موظفيها بخطط تنظيم الوقت، وتُخيفهم من عواقب التأخير، بينما الواقع يشهد أن بعض القرارات الجيدة، والمشاريع الناجحة، اتُخذت في لحظة اضطرار. الزمن ليس العدو دائمًا، بل أحيانًا هو الحليف الذي ينتظر منا أن نثق به حتى اللحظة الأخيرة.
التأجيل ليس دائمًا خطأ. أحيانًا هو طريقة العقل في إعداد طقوسه الخاصة قبل أن يبدأ العرض. وكما أن الممثل يحتاج لحظة ما قبل رفع الستار، يحتاج المبدع إلى تلك الدقائق التي تبدو للعين كسلاً، لكنها في الحقيقة عملية شحن خفية.
لهذا، حين تجد نفسك تكتب مقالًا في الساعة الأخيرة، لا تشعر بالذنب كثيرًا. ربما أنت فقط تمارس عبقرية المواعيد المؤجّلة، دون أن تدري.
[email protected]



