- ماذا يعني لنا الماء؟ ندرك الإجابة، لكننا نحجب عن أنفسنا إدراك مدى أهمية احترامه وتبجيله. هذا يعني الوقوف على عبارة طرحتها بمجلة اليمامة في تسعينيات القرن الماضي، تقول: [الماء ارخص موجود وأغلى مفقود]. هي التي تسود وفق قواعد غياب مسؤولية الإدراك. إنها جملة مائية تصف الوضع الدارج بيننا في ظل ندرة الماء. ابحروا في بحر هذه المقولة. قد توحي بإعادة تأهيل أنفسنا تجاه الماء في ظل ندرته ومصادره الطبيعية.
- لا نعط للماء قيمة، وأهمية، وشأن، إلا في وقت انقطاعه وغيابه. لماذا لا نهتم بالماء وكأنه سينقطع بعد لحظة؟ هناك سلسلة من أسئلة وتساؤلات ليس لها نهايات مع ندرة الماء في بلادنا، حفظها الله. تهديد الماء قائم ومستدام مع كل الأجيال التي مضت, وأيضا الحاضرة، ومع الأجيال القادمة في ظل استمرار المؤشرات.
- نحن أمة عشنا لقرون في حرب مع العطش والجوع. إن الأمة السعودية بكاملها، تفرغت لخوض حربا هي والبيئة، وستظل في حربها بيئيا في ظل المؤشرات. نجا الأجداد بأنفسهم من العطش. احتموا بمناطق توفر الماء. قسم منهم، وهم الأغلبية، استوطنوا المناطق الجبلية المطيرة جنوب غرب المملكة. حيث اسسوا مستوطناتهم في شريطها المطير. البعض الأخر اتخذ من الواحات موطناً لتوفر مياه العيون الفوارة.
- هكذا تفرغ الجميع مع بيئتهم لمعارك وحروب البقاء. حروب العطش والجوع. الماء محورها. تعايشوا مع البيئة تعايشا حربيا لتحقيق شروط الاستدامة ومنع الفناء والهجرة. هذه كانت وظيفتهم جميعاً. يقودهم عقل تفرغ لهذه المهمة، نجح فيها بجدارة. ثم يأتي بصفاقة واستخفاف من يقول ماذا حققنا للعالم؟ يكفي أن العرب وبيئتهم حققوا البقاء في ظل حرب سرمدية ضد العطش والجوع. انتصرنا في هذه المهمة، عبر القرون، في وقت كان غيرهم ينعم بخير الأمطار والماء وعطاء التربة زراعياً. غيرهم انقرض من الوجود.
- إن الأمة التي تنتصر على العطش والجوع، أمة قادرة على الانتصار في كل مجال آخر. أمة قادرة على الابحار بنفسها في مسارات التفوق لهزيمة أي تحد يواجهون في هذه الحياة. هذا هو ما يعني لشخصي هذا الماء.
- نعم.. تفرغ عقلنا العربي لقرون لمحاربة العطش والجوع. وجاء الوقت في هذا العهد السعودي الذي حول تطلعات هذا العقل إلى ميادين أخرى لا تقل في تحدياتها عن تحديات حرب العطش والجوع.
- رحم الله حكيم الكلمة [بدر بن عبد المحسن] الذي جسد حرب العطش والجوع في هذه الكلمات:
من على الرمضا.. مشى حافي القدم.. يستاهلك
ومن سقى غرسك.. عرق دمع ودم.. يستاهلك
ومن رعى صحرا الضما.. إبل وغنم.. يستاهلك
حنا هلك.. يا دارنا برد وهجير
- أدعو إلى الحذر من أن تلهينا حروب العقل الجديدة.. التخلي عن البيئة التي وقفت بجانبنا.. في حربنا ضد العطش والجوع. ويستمر المقال..
[email protected]


