عشت وعايشت حضارة محاربة العطش والجوع في قريتي، وهي أحدى قرى المناطق الجنوبية الغربية المطيرة. بالعلم وحدة.. تأكد لي بأنها حضارة محلية سادت في جميع أجزاء هذه المناطق. كانت حضارة مهارات استثمرت البيئة الجافة، وطوعتها وجعلتها قوية العطاء، رغم هشاشتاها وشح مواردها، خاصة المائية. إذا وقف الإنسان مع بيئته فلن يخسرها، وإذا وقفت البيئة مع إنسانها فلن يكون وحيدا.
جعل إنسان مناطقنا الجبلية المطيرة، بيئته ميدانا ومعرضا مفتوح لمحاربة العطش والجوع. جعل من سنين عمره وقفا لتحقيق هذا الهدف. أنجز حضارة بوسائل وأدوات ونظم ذات شأن تعتلي بالبيئة، وتمكنه من البقاء. عمل إنسانها لتعظيم منافعها، والسيطرة على تحدياتها. عمل بجد وهمة ونشاط دون تقاعس، وإن حصل العطش والجوع بعد هذا، فهذا يعني أنه رزق من الله لحكمة، وليس تقصيرا. تطبيقات فكر بيئي سادت بنضج، وحافظت على استدامة حياتهم وشركائهم في الحياة حتى وصلت إلى جيلي الذي فرط في الحفاظ والمحافظة عليها، بحثا عن حياة أفضل وليس تقاعسا وهزيمة.
وسائل وأدوات مهارية محلية عظيمة المنافع، نظم مترابطة متعاونة متكاملة يخدم ويشد بعضها بعضا. غايتها النهائية تحقيق البقاء بالاعتماد على مقومات البيئة وحدها. كل مساحة معرفتهم في هذه الحضارة البيئية يقودها ويوجهها هذه الغاية السامية والنبيلة. ونتيجة لذلك كل ممارساتهم أصبحت ثابتة الأداء والوظيفة لتسهيل توارثها جيلا بعد آخر. كانت موجهة بحرفية في جميع أنواع الظروف والأحول. استطاعوا عبر الأزمان تحقيق هذه الغاية النهائية بثبات، يشدهم ويربطهم ببيئتهم حتى في أقصى الظروف قساوة وجفاف. إنها جزء من حضارة الرمق الأخير التي سادت في هذا المناطق المطيرة.
محور هذه الحضارة البيئية الاستثنائية كان عنصري المطر والمدر. حيث المطر مصدر الماء، والمدر مصدر الغذاء. بقية عناصر حضارتهم تحقق أهداف ثانوية مساندة لها نفس الأهمية. كل عنصر بوظيفة تحقق في نهاية المطاف البقاء في هذه الحضارة الاستثنائية.
كانت وظيفة العقل في هذه الحضارة الاستثنائية المحلية هو العمل على تحقيق كل ما من شأنه ضمان البقاء. فأصبحت كل المهارات والمعارف والسلوك والتصرفات موجهة نحو تحقيق هذه الغاية بدقة وصرامة وإتقان. الجميع في هذه الحضارة تحت نفس الظروف والمصير، يقودهم حاجتهم لبعض، وقد جعلوا لأنفسهم وظائف عامة بجانب وظائف خاصة.
الوظيفة العامة يمارسها الجميع. الوظائف الخاصة يمارسها البعض لخدمة الآخر. هذا يزيد من اتقان أداء هذه الوظائف، ويجعلها مهن تتوارثها الأجيال، لتوفير احتياجات البقية في هذه الحضارة. مهن متعددة ومتنوعة يكمل بعضها البعض، شعارها التعاون والتكامل. الكل في هذه الحضارة بنفس الأهمية والمسؤولية والقيمة، لأن مصيرهم واحد. ويستمر الحديث.
[email protected]


