والآن وبمرور الزمن بعد ما أبعدتنا خطوط الحياة فعلاً واختلفنا في مساراتنا، لا زلنا نلتقي في كُل فترة كما تعاهدنا، ولكن ليسَ بينَ أروقة المدرسة، ولا في ساحاتها، بل أبعدَ من ذلك بِكثير، نتراسلُ في أي وقتٍ نشاء عبر الهاتف، نكتبُ رسائلنا لتصل في اللحظة ذاتها بضغطةِ زر، ولا حاجة لعناءِ دس الرسائل في الحقائب المدرسية أو بينَ الكُتب المدرسية، حتى بتُ أتسائل هل ثمةَ من يتراسل الآن بالورق؟ حتى مع وجود التكنولوجيا، فكتابة الرسائل على الورق لا يضاهي جمالها شيئاً آخر، إذ أنها كانت مفعمة بالجمال تُتيح بوحاً صادقاً، ومشاعر غلبتها المحبة فأدماها الحبر، نبذلُ الكثير من الجهد والوقت من أجلِ صياغتها، وترتيبها ثُم نطويها بعناية كي تبقى الكلمات بداخلها محفوظة.
مضت الأيام سريعة وتركت بصماتها على الورق من أحداث وتواريخ وأسماء وذكريات لا تُحصى، وبالرغم من كل طرق التواصل الحديثة التي أدركناها، إلا أنني لا زلتُ حتى هذهِ اللحظة أحتفظُ بقصاصات الورق تلك جميعها، وكُل الرسائل القديمة التي تحملُ في داخلها الكثير من الحكايات والمعاني، وكل كروت الإهداءات الصغيرة والكبيرة لأقرأها بين الحين والآخر، وكأنني بقراءتها أتناولُ كبسولةً تُعيدني نحو الماضي، أعودُ لأفكاري، أستطيعُ تذكر شعوري حينها، وتذكر أصوات من كتبوها، أدعو نفسي حينها لتذوق حلاوة تلكَ اللحظات ببساطتها وعفويتها، يا لهذهِ القصاصات يا لعبيرها، يا لقدرتها على الاحتفاظِ بكُل هذهِ التفاصيل، صفحات كراساتنا، الواننا المفضلة في الكتابة، تواقيعنا، تواريخ كتابة الرسالة، كُل تلكَ التفاصيل التي تسرق من عيناي النعاس، حتى باتت تلكَ القصاصات تُصيبني بالأرق.
ومضة:
مع أنك تملك ذكريات كثيرة، لكنك لا تستطيع أن تختار ما تتذكره، فالذكريات هي التي تفرض نفسها وقت تشاء.
[email protected]



