وحين أصبحت أستاذة في القسم ذاته، لم يكن هذا الجواب مجرّد ذكرى، كان عهدًا قطعته على نفسي: أن أُدرّس كما كنت أتمنى أن أُدرَّس، أن أجعل من المحاضرة مساحة تجربة لا تلقين، ومن المقرر نافذة إلى العالم المهني.
بدأت الحكاية مع تدريسي لمقرر «المقال الصحفي» الذي فيه انطلقت مبادرة تعليمية تجمع بين الجانب النظري والممارسة الميدانية، وذلك من خلال دعم أقلام الطالبات الواعدة من خلال إستمثار فرصة النشر في صحيفة مرموقة بالمنطقة الشرقية -صحيفة اليوم - وبالفعل فتحت الصحيفة أبوابها لطالبات مسار الصحافة والنشر الإلكتروني، وكانت أول خطوة حقيقية نحو جعل القاعة الجامعية امتدادًا للواقع المهني.
طلبت من الطالبات كتابة مقالات صحفية كأحد وسائل تقييم المقرر، على أن تنشر المقالات التي تحمل طابعًا إعلاميًا فكرة وتناولًا - ولله الحمد - نُشرت مقالات نصف طالبات المقرر، ولم أكن أرغب في أن تنتهي المبادرة بانتهاء المقرر، كنت أؤمن أن الفكرة تستحق الاستمرار، لكن بعيدًا عن حسابات التقييم والدرجات، فقررت تكرار التجربة لفئة جديدة في مقرر آخر هو «مبادئ الكتابة الإعلامية»، عندها فتحت الباب أمام من ترغب في الكتابة بإرادتها لا طمعًا في علامة، قلت لهن: «من تكتب، ستجد مني كل دعم لنشر مقالتها» وكتبن. ونُشرنا 13 مقالًا جديدًا رأى النور في ذلك الفصل الدراسي.
ومع بدء فصل دراسي جديد واصلت دعمي للطالبات من خلال مقرر «التدريب العملي»، وظلت المبادرة حاضرة وبعد انتهاء العام الجامعي، وبينما كنت أعمل في الفصل الصيفي، استثمرت مبادرة «اليوم»، التي توسعت مساراتها لتشمل جميع طلاب وطالبات الجامعة، من مختلف الكليات والتخصصات.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت أستقبل مقالات من أقلام علمية، أدبية، طبية، اجتماعية، وتقنية وغيرها، كنت أقرأ كل مقال بعناية، لا كأستاذة تقوّم، بل كروحٍ تؤمن أن الكتابة صوتٌ لا يضاهيه شيء، ومع كل مقال يُنشر، كنت أشعر بفرح لا يُوصف، وكأنني أنشر حلمًا جديدًا.
واليوم، وبعد سنوات من انطلاق المبادرة، أسعد جدًا بأنها لا تزال مستمرة، وقد نُشر عبرها أكثر من 125 مقالًا، من 8 كليات متعددة بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، ومن جامعات أخرى .
تعلمت أن الأفكار لا تنمو إلا إذا آمنا بها ورعيناها بالشغف، ومن هذا المنبر، أبعث بكل الامتنان رسالة شكر لكل من آمن، وفتح نافذة، ومنح طالبًا أو طالبة الفرصة ليكتب، ويُقرأ، ويُرى.
واليوم، لا أحدثكم بصفتي مُؤسِسة للمبادرة، بل كواحدة من أكثر من تأثر بها؛ إذ إن شرارة همّتي في الكتابة بدأت واستمرت عبر الزاوية التي تقرؤونها اليوم، كإحدى ثمار هذه الممارسة التعليمية التي أثرتني كما أثرت الطلبة، وبكل ما تحمله التجربة من شغف وأثر، يتضح أن تحويل المقررات الجامعية إلى مساحات تطبيقية لا يثري الطالب فحسب، بل ينعكس أثره على البيئة الأكاديمية والمهنية بأسرها؛ لذا فلنمنح طلابنا فرصة ليمارسوا لا ليحفظوا فقط، وليكتبوا كي يُقرأ لهم لا ليقيَّموا فحسب؛ فثمرة التعليم الحقيقية لا تُجنى إلا حين يلامس الواقع قاعة الدرس، وتصبح المعرفة فعلًا حيًّا نابضًا بالتجربة.
@syalaboud



