والحقيقة أن الإنسان قد يخسر بصمته أكثر مما يخسر بكلامه؛ فقد يسكت عن حق كان يستطيع إظهاره، أو عن خطأ كان يمكنه تصحيحه، أو عن كلمة محبة كان ينبغي أن يقولها قبل فوات الأوان.
ومن أجمل ما يُروى في معرفة موضع الكلام والصمت قصة الأحنف بن قيس، الذي اشتهر بالحلم وضبط اللسان. فقد شتمه رجل، وجعل يتبعه ويكرر عليه الإساءة، والأحنف لا يجيبه، حتى اقترب من قومه، فوقف الأحنف وقال له: إن كان بقي عندك شيء فقله هنا؛ فإني أخشى أن يسمعك بعض قومي فيؤذوك!
لم يكن صمته ضعفًا، بل كان قوة يملكها، ولم يكن عاجزًا عن الرد، ولكنه أدرك أن الرد لن يزيد الموقف إلا اشتعالًا، ثم تكلم حين أصبح للكلام فائدة.
وهنا الفرق.
فالحكيم ليس من يصمت دائمًا، وإنما من يعرف متى يصمت ولماذا يصمت، ومتى يتكلم ولماذا يتكلم.
كم من أبٍ كان ينتظر كلمة تقدير من ابنه فلم يسمعها، وكم من زوجة احتاجت كلمة شكر فبخل بها زوجها، وكم من موظف اجتهد ولم يسمع من مديره: أحسنت، وكم من صديق فهم صمت صاحبه على غير مراده؛ لأن ما في القلوب لا يقرؤه الناس.
وفي المقابل، هناك من يخسر بكثرة الكلام؛ يجيب حين يكون التجاهل أحكم، وينقل كل ما يسمع، ويعلّق على كل ما يرى، وكأنه مكلّف بأن يكون له رأي في كل قضية!
وفي الحديث يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». والتأمل في هذا التوجيه يرسم ميزانًا دقيقًا: كلامٌ حين يكون الكلام خيرًا، وصمتٌ حين لا يكون كذلك.
وفي الإدارة، المدير الذي يصمت عن المتميز يطفئ حماسه، والذي يصمت عن الخطأ حتى يتضخم يشارك في صناعته، والذي يتحدث في كل صغيرة وكبيرة يفقد لكلمته وزنها.
لذلك لا تسأل نفسك دائمًا: هل أتكلم أم أصمت؟
بل اسأل: أيهما أنفع الآن؟
والحكيم لا يعرف كيف يصمت فقط، بل يعرف متى يستحق الكلام أن يكسر الصمت.
[email protected]


