فالبيئة التي تعاقب كل اجتهاد لم ينجح، وتسخر من كل فكرة لم تكتمل، وتبحث عن المذنب قبل أن تبحث عن السبب، تصنع موظفين يجيدون الصمت أكثر مما يجيدون المبادرة.
والمدير قد يظن أن شدة المحاسبة دليل على قوة الإدارة، بينما يكون قد صنع حوله منطقة صمت؛ الجميع يرى المشكلة، لكن لا أحد يريد أن يكون أول من يخبره بها.
وفي قصة الهدهد مع سليمان -عليه السلام-، تفقد سليمان الطير فلم يجد الهدهد، فقال: «لأعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين».
وهنا تظهر هيبة النظام ووضوح المساءلة؛ فالغياب دون عذر ليس أمرًا مقبولًا.
لكن اللافت أن الهدهد عندما حضر لم يُمنع من الكلام، ولم يُعاقب قبل أن يُسمع، بل قال بثقة: «أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين».
لم يقل سليمان: كيف يتجرأ جندي صغير على أن يقول لقائده: أحطت بما لم تحط به، بل تعامل مع المعلومة نفسها، وقال: «سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين».
وهنا درس قيادي بالغ الأهمية: المساءلة لا تعني إغلاق باب الكلام، والهيبة لا تعني تخويف الناس من نقل الحقيقة.
فالمنظمة الناجحة ليست التي لا يخطئ فيها أحد، فهذا مستحيل، وإنما التي يظهر فيها الخطأ مبكرًا، ويستطيع الموظف أن يقول: «أخطأت»، قبل أن تتحول الهفوة الصغيرة إلى أزمة كبيرة.
هناك فرق كبير بين موظف يقول لمديره فورًا: أخطأت في هذه المعاملة، وبين موظف يقضي يومه يبحث عن طريقة لإخفائها، فالأول أمامه مدير يستطيع إصلاح المشكلة، أما الثاني فأمامه مدير أصبح الخوف منه جزءًا من المشكلة.
ولهذا يحتاج المدير إلى أن يفرّق بين ثلاثة أشياء: الخطأ الناتج عن اجتهاد، والإهمال، والتعمد، فمن الظلم إداريًا أن تعامل الثلاثة بالطريقة نفسها.
الموظف الذي اجتهد فأخطأ يحتاج إلى تصحيح وتعلم، والمقصر يحتاج إلى مساءلة، والمتعمد يحتاج إلى حزم يتناسب مع فعله. أما أن يصبح كل خطأ جريمة، فإن الرسالة التي تصل إلى الموظفين ليست: «لا تخطئوا»، بل: «إذا أخطأتم فلا تخبروني!» وهنا تبدأ المشكلة.
[email protected]



