نحن نتعامل مع ندرة الماء، وهذا يعزز أن نستوعب أبعاد الآية الكريمة : «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» - سورة الأنبياء «30»-. هذه الآية تحمل التحذير، وتحمل المشكلة، وتحمل الحقائق وأبعادها، وتحمل الحل وآماله ومؤشراته. هذه الآية تدعونا وبشكل مستدام إلى توخي الحذر، والخروج نهائيا من دوائر الاجتهادات في أمر المياه. هذه الآية تحمل التهديد والوعيد. إنها تشرع القلق على المياه، تجعله ميزة استراتيجية أساسية لمحاربة العطش. هذه الآية توضح مدى أهمية توفر الماء وحضوره بشكل مستدام. أيضا توضح مدى مسؤولية كل من يتولى أمره وشؤونه.
هذه الآية تدعونا بشكل مباشر وغير مباشر إلى تجنب عوامل العطش، وبشكل مستدام. هذه الآية تدعونا إلى ضرورة تعدد استراتيجيات استدامة توفير الماء من جميع مصادره المختلفة. هذه الآية تعطي لكل مصدر ماء قيمة بغض النظر عن حجم عطائه. هذه الآية تعلن أن قطرة الماء لا تقدر بثمن. هذه الآية نص صريح واضح بأن الحياة ومصيرها متعلق بهذا السائل الذي لا لون له ولا طعم ولا رائحة. هذا يعطيه قوة حياد ومسؤولية وتأثير -دون تمييز- على كل شيء حي.
هذه الآية مصدر إلهام لتحقيق حسن إدارة المياه في مناطقنا السعودية المباركة بعون الله. مسؤولية محاربة العطش محور يفرض وبحكمة تحقيق نجاح إدارة البيئة، وإدارة مياه الأمطار، وإدارة مياه السيول، وإدارة التربة، وإدارة الزراعة الجافة. هذه الإدارة التي أتحدث عنها هي من كان يقف خلف نجاح بقاءنا في هذا المناطق الجافة عبر القرون. وجودنا على أرضنا لم يكن عشوائيا، لكنه وجود كان أساسه نجاح إدارة محاربة العطش، في ظل ندرة المياه المتاحة أمام أجيالنا التي مضت منذ الخليقة. عندما تكون الأرض بغير ذي زرع فعلينا أن نعلم أن الماء غائب.
إذا غاب الماء عن نظر العين بشكل مباشر، وغاب عن حاسة اللمس، فهذا يعني أن الأرض غير صالحة للاستيطان البشري. وكان هذا الأمر أساس التوزيع السكاني في مساحة بلادنا حفظها الله. تواجدهم كان حول بؤر المياه في الواحات في مناطق الصخور الرسوبية، ومساحات الجبال المطيرة من الدرع العربي.
حاليا وبسبب ندرة الماء، تنجز بلدنا السعودية أضخم مشاريع المياه الاصطناعية في العالم. شبكات عملاقة لنقل المياه من مكان لآخر؛ نقاط توزيع وخزانات تجميع تغطي جميع المناطق؛ محطات عملاقة لأعذبة مياه البحار المالحة «التحلية» تنتشر شرقا وغربا على شواطئنا. لماذا كل هذا؟ ويأتي الجواب: إنها حربنا للقضاء على العطش. محاربة العطش وعي أجدادنا عبر تاريخ الوجود. هاجس الماء والقلق من غيابه قائم في غياب المياه السطحية من أنهار وبحيرات ومياه أمطار دائمة الحضور في جميع المناطق. الوعي بأهمية محاربة العطش، يعزز حربنا المستدامة ضده. ويستمر الحديث.
@DrAlghamdiMH


