هل يمكن أن تكون هذه الموارد الاصطناعية مصادر مياه استراتيجية مستدامة تغني عن المياه الجوفية، ومياه المطر؟ هذا السؤال يوحي بأبعاد إيجابية وأخرى سلبية. طرح السؤال ينبئ بأهمية هذه المصادر في ظل ندرة مصادر المياه الطبيعية. صراع الأسئلة والتساؤلات التي تثيرها ندرة المياه عبر التاريخ، توضح وضع ماء نعيشه بكامل قلقه ومسئولياته وتبعاته.
في بلدنا الجاف أصبحت التحلية خيارنا الاستراتيجي -الوحيد- الذي نال الاهتمام، والدعم، والمساندة، والتوسع. السؤال: لماذا وقد أصبحنا أكبر منتج لهذا النوع من المياه العذبة في العالم؟ أليس هناك مصادر استراتيجية أخرى؟ هذا الإنجاز العالمي ينبئ بوجود قلق مشروع يتعاظم على أمننا المائي ومستقبله. لكن لماذا التركيز على تنمية صناعة أعذبة مياه البحر المالحة «التحلية» على حساب تنمية المصادر الطبيعية؟
هذا المصدر المائي الاصطناعي في بلدنا السعودية انجاز تاريخي بكل المقاييس. تتربع بلدنا على قمة مسؤوليته عالميا. ولكونه مصدر اصطناعي -غير طبيعي- فهو انجاز يحمل تحديات خطيرة ومقلقة تفرضها حقائق صناعته. مشروع أعذبة البحر صناعة لتحويل المياه البحار المالحة إلى مياه عذبة صالحة للشرب. هذه الصناعة كبقية الصناعات الأخرى تحمل وجهين: الأول يحمل المميزات والمكاسب. الثاني يحمل التحديات والعيوب.
كل وجه يحتاج إلى تعامل علمي، بمتطلبات علمية، لفرض السيطرة على كل الاحتمالات. اجراءات تهدف إلى إخضاع كل وجه لمعايير الجودة العلمية. تعظيم الوجه الأول بمنافعه ومكاسبه وتقزيم الوجه الآخر بما يحمل من تحديات وعيوب ومشاكل. هذه الإجراءات بمعاييرها يجب أن تكون مستدامة لا تتوقف. نجاح استدامتها يعتمد على تحقيق حاجتها للتطوير، والتحديث، والسيطرة. إن وجود أي خلل يعني طغيان وطوفان ما يحمله الوجه الثاني من تحديات. من هنا تأتي المخاطر والمحاذير وأيضا القلق المشروع. وهناك تحديات أخرى خارج هذه الإجراءات حتى وإن تمت السيطرة عليها.
أكرر.. إن السؤال الأهم والاستراتيجي يأتي دوما من مدى عمق القلق الذي نحمل. وعليه في مجال المياه، هل يوجد مخاطر مائية تهدد وجودنا؟ نعم يوجد مخاطر لا يمكن تجاهلها وتغييبها. ندرة المياه الطبيعية ومواردها هي التي جعلت أعذبة مياه البحر (التحلية) خيارنا الاستراتيجي؟ السؤال: إلى أي مدى يمكننا الوصول في أمر الثقة في صحة هذا الاختيار؟ ولماذا؟
موضوع الحديث ليس من أجل طرح الإجابة عن السؤال السابق. الموضوع له أبعاد متعددة الرؤوس والبدايات. نحن أمام حقيقة أن من يبحث عن الحياة عليه البحث عن توفير مقومات الحياة. المخاطر ستظل قائمة مع هذه الصناعة لأعذبة المياه المالحة في ظل استدامة وجود وجهها الآخر -وجه التحديات- لأنها مستدامة الحضور حتى وإن خضعت للسيطرة. نجاح الإدارة وإتقانها يعمل فقط على تقزيمها لجعلها في سكون مؤقت، لكنها تنتظر فرصة استرخائها لتهب تحت أي ظروف أخرى. ويستمر الحديث.
@DrAlghamdiMH


