تلكَ واللهِ لهيَ الحظوةُ لكَ في نفسِ أحدهم. أنْ يرزقكَ اللهُ هذهِ المكانةَ في فؤادٍ، فيُحفظَ قدْركَ، ومكَانَتك، ويصُونُها من دنسِ أنْ يُحكى بِها، فلا يتمكنُ ذِي سوءٍ منْ مَحْوِ أَصْفَارِ قِيمَتِك، وإِلاَّ فكيفَ هِي المَلايين، والملياراتُ دونَ أَصْفَارِها؟
قدْ يتمكنُ مرْضَى النفوسِ، والمردةُ من الإنسِ، نعمْ مردةُ الإنسِ الذِينَ اسْتَحَقُوا اللَّقَبَ، وإلا بأي حقٍ هم قُبِلوا بالعِداء، والخِصام، والحَرْبِ،؟ هلْ أَرَادُوا أَمْوَالَهُم ؟ بلْ جلُّ ما أردُوا هو أنْ يُوصِلوا رِسَالَةَ.
والآنَ اطرحْ عَلَى نَفْسِكَ هذا السؤالَ المُهِمَ، والعَظِيم، واصْدُقْ معَ نَفْسِكَ؛ مَا هُوَ يَعْقُوبُكَ، ومَنْ هُوَ يُوسُفُك؟ منْ هُوَ غَالِيكَ على نَفْسِكَ؟ غَالِي العَينَانِ والفُؤادِ هُو ذَاكَ يُوسُفُ فُؤَادِكَ.
والآنَ تَفَكَّرْ، كَمْ مِنْ حِيلَةٍ أو شَكْوَىَ كَادَتْ تُفَرِقُ بينَ يَعْقُوبِكَ ويُوسُفِهِ؟
أمْ أَنَهُمْ فَرْقُوكُمْ واتْهَمُوا الذِّئْبَ بِدَمٍ كَذِبِ؟ أَمَّا إِنْ كَانَ يُوسُفُكَ بينَ يَدَيكَ قَرِيبٌ، وبِالحُبِ والوِدِّ قدْ حُوِّطَ بَيْنَكُمَا، فاطْلُبْ الله السُّؤلى بأن يحفظ لك حبلَ المودةِ معقوداً، بوتينٍ يوسفيٍ تربِطُه حَمَامُ بشائرِ السلامِ، التي تحلِّقُ في حِمى حَرَمِ حَصِين فُؤَادِك.
أصعبُ اختبارٍ والله، أن يُخْتَبَرَ قلبكَ من ربِ العباد،ِ بفقدِ ما وهبكَ، رباهُ جبراً عن طيرٍ من طُيورِ جِنانِك قد سَبقنا إليها... قد يكونُ اختباركَ في حُلُمكَ، فلا تَتَحَصَّلُ عليه، أو ولدٍ فلا تعودُ العينُ تبصرهُ، ولا رِيحُ قَمِيصِهِ تُذْهِبُ عنكَ بأسَ ما بِك. إياكَ والتقصيرَ، والتفريطَ بمنْ، ضِحكاتُهم تَعْدُلْ الدُنيا، بلْ أَهَازِيجُ غِنائِهم مُرْجُوحَة السَّلْوى فِي سماءِ السَلَمى، تَحُفْهُم غُيُومُ الصَّفَاءِ وتُمطرُ نقيَّ الهَتَّانِ مَطَرَاً.
للوِدِ دستورٌ سُطِّرَ في لُفَافَةِ صَفْحَةِ القَلْبِ، فاحترم حُرمَةَ دارِ الفؤادِ، واخْلَعْ نِعْلَيْكَ فَبَعْضُ الأَفْئِدَةِ كَمِحْرَابِ العَذْرَاءِ أمِ عِيسَى. أمعن النظر بالقرينةِ، والدليلِ، والصورة.
لعل ما فرقوا به بينك وبينه هو نزعُ واو الوصلِ، ولربما الأحد عشر حرفاً الأخرى من الوصل.. من حكمته أن جعل حروف القطع باللغة العربية ستةً فقط، وجعل حروف الوصل ضعفه سبحان من قدر الأمر حق قدره.
اللهم سُبْحَانَك منْ جَعَلْتَ منْ الحُلُمِ خيرُ نَصِيرٍ، هُوَ عَلَيهِ هَيِّن، نَعَمْ هُوَ عَلَيهِ هَيِّنْ، منْ يُخْرِجُ المَظْلُومَ منْ ظُلُمَاتِ السِّجْنِ بِحُلُمٌ رآهُ من بيدهِ مفاتيحُ الحريةُ من السجنِ ومن ثم نْصَبَهُ عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ بعد تفسيره.
لا تحتاج لمعجزة كشق القمر أو فلق البحر ليتغير مستقبل حاضرك الذي تعبت تتأوه آهته و من جوى ناره، بل ادعُه بقصيرِ سطرٍ من ثلاث، كدعاءِ صانعِ السفينةِ حين قال «أني مغلوب فانتصر» الآية 10 من سورة القمر.
bshaleid@

