من كتاب كليلة ودمنة.. قرأت هذا الكتاب يا سادتي منذ أمد بعيد جداً، حيث كنت قادماً مع إخوتي الكبار، من إجازة صيفية قضيناها ببلدتنا عند منحنى النيل، قرب مدينة مروي بشمال السودان، كنا قاصدين الخرطوم، والمسافة طويلة جداً بين المدينتين، والسيارة تقطعها في أكثر من يوم، على أحسن تقدير، كنا نركب عربة «كومر» قديمة، بدت لي وكأنها من مخلفات الحرب العالمية الثانية، فقد توقف إنتاج هذه السيارة المستخدمة في نقل الجنود والعتاد، في أواخر السبعينيات، لكن الناس هنا ما زالوا يستخدمونها للتنقل في الصحراء، لأنها سيارة متينة لديها القدرة على السير في الطرق القاحلة والوعرة.
كنا قد انطلقنا قبل شروق الشمس بقليل، وسارت السيارة بمحاذاة النيل قرابة الساعتين، ثم ضربت جنوبا صوب الصحراء، وظلت تسير ببطء كأنها في حالة مخاض عسير، وكانت اطاراتها تئن من هجير الشمس فوق الرمضاء الحارقة، المنظر هنا ملل وكئيب، ثمة كثبان رميلة تطلع وتنزل مع علو الكومر وهبوطه، وثمة شجيرات يابسة، وعظام جمل نافق، أجاهد في هذا الحر مع كثرة الاهتزاز في محاولة يأسه للانتهاء من قراءة هذا الكتاب، أخيراً وبعد ساعات طوال غابت الشمس، وغاب معها الاتجاه الصحيح الذي كان يجب أتخاذه، وبعدها بوقت معلوم، أقر السائق أنه فقد المعالم التي كان يهتدي بها في طريقه، وتأكد لنا أننا ضللنا الطريق في عتمة ذلك الليل الحالك، وخشينا من نفاذ البنزين والماء، والموت عطشاً في تلك الصحراء الجرداء المُوحِشَة.
وفجأة لاح لنا في ذلك الليل البهيم ضواءً من بعيد، أعطانا هذا الضوء أملاً في النجاة، وبدد قليلاً من مخاوفنا في تلك الظلمة الأبدية المخيفة التي نغوص فيها، وأسرعنا نحو النور محاولين الاقتراب منه أكثر، وكلما اقتربنا بعد عنا، وفجأة وعلى حين غرة تراءت لنا امرأة عجوزاً ضخمة البنية منحنية الظهر، ترتدى عباءة سوداء وتحمل بيدها فانوساً يتوهج منه ذلك الضوء الذي رأيناه، ثم اختفت وتلاشت بنفس السرعة التي لاحت لنا فيها، وضجت السيارة بالخوف والهلع والاضطراب.. ولعلنا نكتفي بهذا القدر ونكمل الحديث في المقال القادم.



