وماذا يكون هذا الكتاب، غير رؤى اتخيلها، وهواجس تضج بها نفسي، ومخاوف تتربص بي، لاسيما حينما استشرف مستقبل العالم البعيد، في ذلك الزمن السحيق، فأرجو يا سادتي أن لا تحملوا عموم كلامي وسَوَاده على محمل الجد، فأنا أكتب أحياناً أشياء تبدو مبهمة، لكني ما زلت أتساءل عن ذلك المستقبل البعيد، الذي سيعيش فيه حتماً أبنائنا أو أبناء أبنائنا، بعد مائة عام من حياتنا هذه على الأقل، كيف سيكون الحال عندئذ؟!، وهذا العالم تهرول أيامه بسرعة، وتزداد عذاباته، وتوشك الحياة أن تتلاشي وتصير إلي زوال.
كان من ضمن الأشياء التي لم أفهمها جيداً في حياتي، موضوع السنة الضوئية، فقد كنت أعتقد إلى وقت قريب أن السنة الضوئية وحدة قياس للزمن، لكن أتضح لي أنها وحدة قياس المسافة، فالضوء كما تعلمون يتحرك بسرعة معروفة ومحدودة، والنجوم على بعد سنوات ضوئية، لذلك عندما ننظر اليها، فإننا ننظر إلى الماضي، إلى السنوات الماضية، مما يعني أن الضوء الذي نشاهده منها، قد أرتحل إلينا منذ ملايين السنين، بعبارة أخرى نحن دائما نراها كما كانت قبل ملايين السنين.
وعليه يبدو كل ما نشاهده قد عفا عليه الزمن، نظرتنا للعالم هي في الواقع صورة لما بدت عليه الأمور، في اللحظة التي بدأ فيها نورها يسير نحونا، أي أن النجوم الساطعة التي نراها بالليل، هي في الواقع قد تلاشت واندثرت منذ ملايين السنين.
البشرية الآن تعيش في عصر التقنية اللمسية، حيث يتم معالجة كل شيء تقريباً لمسا، أما في ذلك المستقبل الذي أتكلم عنه، فسوف تقوم الحياة على عرض الرسومات المجسمة دون شاشات، حيث يتم عرض كل شيء أمامك هوائيا دون الحاجة إلي لمس سطح مادي بيدك، أليس هذا شيء مذهل بحق، لكن رغم ذلك وبعد وصول الانسان الي الكمال التقني والتكنولوجي، ماذا يكون، وماذا ينتظرنا بعد سيطرة الآلة على الحياة، وهيمنة الذكاء الاصطناعي على جميع مناحي الحياة، حقاً ماذا بعد؟!.
مخيف جداً التعمق في تخيل ذلك المستقبل السحيق، فهناك الكثير على المحك، فالأحداث والتصورات المستقبلية المتوقعة تبدو مرعبة بحق، لكن من المدهش حقاً في ذلك المستقبل، التطور الهائل في علم الأمراض، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الدواء وعلم الوراثة والجينوم، فمعظم الأمراض المستعصية والمعدية التي عرفتها البشرية يوما، يجد الطب لها علاجا في ذلك المستقبل، ثمة لقاحات فعالة، إلا أمراض النفوس التي حلت مكان أمراض الجسد، مثل مرض الاكتئاب الذي استحوذ على النفس البشرية، وأخذها في مجاهل من التعاسة والاضطراب والقلق، وما تزال النفس تهوي إلي مكان سحيق لا قرار له.
لا بد أن يستفحل مرض الزهايمر حينذاك، ويفترس العقل، ويقضي على بقايا الذاكرة المهترئة من كثرة الوحدة والعزلة والأحزان، أما الروح فسيكون لها نصيب وافر أيضا من تلك اللعنة، ستزيد معاناة الناس حتما، بفضل الخواء الروحي، وحالة عدم اليقين واللا سكينة تلك.
الحياة هي الحياة والدنيا هي الدنيا، مهما ارتقت عبر الوقت في عالم الغد البعيد، ويظل الحديث عن جودة الحياة، في ذلك الزمن الموغل في التقدم، محض خيال أو افتراء بَحْت، فلابد من وجود انعكاسات لتلك الفنتازيا، التي دائما ما تعمق من عزلة الانسان وتؤرق مضجعه، وتزيد من احساسه بالوحدة والضياع، لا سيما أنه صار من المؤكد المحتمل أن الأعراف الثقافية ستتطور، مما يعني أن المجتمعات أيضا ستتغير بشكل جذري، وأنه سيكون لتغير المناخ قصبة السبق في إعادة تشكيل مدننا ومناظرنا الطبيعية، كما يقال.
لا مناص أن غالبية سكان العالم، سيمتنعون عن التكاثر والإنجاب، بسبب رهاب المجهول المسمى «الكرونوفوبيا»، وجملة من الأسباب الأخرى، ولعل هذا يجعل عدد سكان العالم يتناقص بشكل سريع، في مرحلة لاحقة ربما.
هل لدي أقوال أخري؟! .. نعم، رغم ذلك قد يستمر بعض البشر في كفاحهم محاولين كبح جماح الذكاء الاصطناعي الذي سيطر بأحكام على الناس والحياة، بلا فكاك، وقد يصارع العلماء محاولين اتخاذ إجراءات وتدابير تمنع التبعات المظلمة للتطور العلمي والتكنولوجي الآت.
لا ريب أن ذلك العصر، سيراه بعض الناس أحسن الأزمان، ويراه الأخرون أسوا الأزمنة، سيقول الناس أنه عصر التقدم والازدهار، ويقول آخرون أنه عصر التيه والانحطاط، إذ يبدو أشبه بهجين، مزيج من الحكمة والحماقة، والنور والضلال، والرحمة والقسوة، والشدة والرخاء.



